شعار قسم مدونات

الأندلس.. بعيونٍ ألمانيّة!

BLOGS- الحمراء
لم تكن الشمس قد أشرقت في غرناطة حين وصلتُ مدخل قصر الحمراء، كُنت أتخيّلني أول الحاضرين، ولكنني لم أتخيّل أن أرى تلك الأعداد الهائلة من السياح التي تقف في "طابور" كي تحظى بتذكرة دخولٍ إلى الحمراء.. تأملت الحضور فكان جُلّهم من غير العرب ووجدت أمامي فتاةٌ ألمانية.. لولاها ما دخلتُ الحمراء ذلك اليوم!

انتظرنا حوالي ساعة ونصف معًا، ومن حديث لآخر اكتشفت أنني أقف في الطابور الخطأ، حين راحت تشرح لي أن هناك صفٌ لمن يرغب بالدفع بالبطاقة والآخر وهو طويلٌ جدًا جدًا للدفع نقدًا ولم تكن معي بطاقة، فاتفقنا أن تشتري لي ببطاقتها لأدفع لها نقدًا، وهذا ليس مفهومًا ضمنًا في عُرف الألمان، ولكنها فعلت ولولا ذلك لعدت أدراجي.

لو زرت متحف القلعة الحرة وهو أجمل الأماكن التي يُمكن لسائح يُعنى بالحضارة الأندلسية وعلومها أن يزوره، فلن تجد شرحًا بالعربية مع أن الكثير من الأموال التي اُنفقت عليه من بلاد العرب.

في داخل القصر، وجدتُ أحد الألمان يقف مُنبهرًا أمام عبارة "لا غالب إلا الله" التي تُرى في كل ناحية من القصر، كان يُحاول فهمها ويناقشها مع زوجته ولكنه لم يُفلح، وما إن تدخّلت حتى راح يشكرني وجعل يسأل عن بقيّة أبيات الشعر التي كانت حولنا، حينها لم أفلح أنا لا في القراءة ولا في الترجمة.

قليلة هي الأماكن التي يُمكن للمرء في أوروبا أن يشعر فيها بالفخر في عروبته هذه الأيام، حيث يكاد يكون شكل العربي وحده تُهمةٌ أحيانًا كما حصل ليلة رأس السنة الميلاديّة في مدينة "كولن" الألمانية حين تم تفتيش كل من يبدو أنه من أصول مغاربيّة وأطلق الشرطة عليهم لقب "nafri" لتمييزهم عن غيرهم خوفاً من عمليّات "تحرش جنسي" مُحتملة!!

أما في قصر الحمراء فالأمر مختلف تمامًا حيث لا يُمكن لعربي أن يشعر إلا بالفخر للانتماء لهذه الحضارة الجميلة الراقيّة التي لا تزال تُبهر الناس جميعًا، من كل الأجناس والألوان، ولكن حتى هذه الفرحة لا تتم لنا، فلو طلبت دليلاً سياحيًا "صوتيًا" باللغة العربية فستجد الكثير من اللغات ولكنك لن تجد العربية!!

هذا الحال ليس في قصر الحمراء فقط، فلو زرت متحف القلعة الحرة وهو أجمل الأماكن التي يُمكن لسائح يُعنى بالحضارة الأندلسية وعلومها أن يزوره، فلن تجد شرحًا بالعربية مع أن الكثير من الأموال التي اُنفقت عليه من بلاد العرب، ولكن وبحسب أحد الذين قاموا بتأسيس المتحف من العرب، فإن إعداد الإرشاد الصوتي مُكلف جداً ولأن اهتمام العرب بهذا النوع من المتاحف ضعيف فسوف يتأخر وجود اللغة العربية.

الحقيقة أن هذا الحال يكاد يُلاحظ في أكثر المتاحف والقصور، حيث يحتاج الواحدة منّا لمعرفة لغة أجنبية.. كي يستمتع برحلته في الأندلس، أما العربيّة فكأنها أمست للزينة فقط!

صحيحٌ أنه لا يصح مقارنة بلادنا العربيّة بألمانيا غالبًا، ولكن في مجال الأندلس والاهتمام بها فإن الأصل أن نتفوق نحن لا هُم، ونحن متفوقين فعلاً في دراسة الآداب والتاريخ الأندلسي، بينما تخلّفنا كثيرًا في الكتابة عمّا بقي في الأندلس، كالكتب السياحيّة التي تنفع من حزم أمتعته ليرى الأندلس بعيدًا عن البكائيات والأشعار، ولست أبالغ إن قلت بأن الواحد منّا لو دخل متجر للكتب في ألمانيا -كالمايرشي مثلاً- سيجد ما لا يقل عن 10 كُتب عن إقليم الأندلس فقط -وليست كل إسبانيا- وحتى في المكتبات العامة سيجد الكثير الكثير منها، وهذا شبه معدوم في مكتباتنا العربية.

المُدهش أكثر ما كُل هذا، أن الأندلس لم تبق حبرًا على ورق، فقد ظهر جيلٌ من المعماريين الألمان ممن انبهروا بالشرق عمومًا وهو ما نعرفه بالاستشراق، والذي يتخيّله بعضنا مُجرد اهتمام بالفكر والأدب العربي ولكنه في الواقع اهتمام بالفنون والعمارة الإسلامية أيضًا، ومن باب الاهتمام بالشرق والعمارة المملوكية والعثمانية بشكل خاص، كان هناك اهتمام بالغ بالأندلس والمغرب وقد بُنيت في ألمانيا في القرن التاسع عشر مبانٍ راقية جدًا على النمط الأندلسي والذي يُعرف بـ Neomaurischer Stil.

في أحد أهم القصور الألمانية وهو قصر سانسوشي في مدينة بوتسدام قرب العاصمة برلين، بُني سنة 1841 "بيت المحركات البُخارية Dampfmaschinenhaus" وهو يضم أقدم المحركات البخاريّة في ألمانيا وبالتالي أحد أبرز معالم النهضة العلمية الأوروبية، وكانت وظيفتها تشغيل نوافير القصر والمثير أن الملك فريدريش وليام الرابع أراد لهذا المبنى أن يكون على شكل مسجد من الطراز العثماني وهو أمر لم يكن في غاية الغرابة لذلك الزمان -كما هو اليوم-، إلا أن المعماري راح وصممه على طراز المساجد المملوكية.. وجعله من الداخل على طراز جامع قرطبة في الأندلس.

تجد الإعلام الألماني بعمومه مُنشغلاً في شن حملات شرسة وتشويه صورة الإسلام، ورغم هذا لا زال هناك من يذكر الأندلس ويحن إليها ويكتب عنها بل ويشد الرحال إليها!

ليس الأمر ينحصر في بوتسدام طبعًا، ففي أجمل قصور ألمانيا وهو قصر نويشفانشتاين "Schloss Neuschwanstein" كان يُفترض أن تكون هناك صالة أندلسيّة ولكنها لم تتم بسبب المشاكل الماديّة، بيد أنه في أحد الفنادق الألمانية الفخمة في مدينة كونستانز هناك صالة أندلسيّة "Maurische Saal"، وهي مستوحاة من قصر الحمراء وحتى أن بعض الجدران تحمل جداريّة مكتوبٌ عليها: "عز مولانا أبي عبد الله"، ويفتخر القائمين على الفندق بأن الصالة تنقل روّادها إلى أجواء قصص ألف ليلة وليلة وهم يتناولون أطيب الوجبات المغربية الأندلسيّة!

وللتأكيد، فإن هناك المزيد من المعالم المُبهرة التي نادرًا ما نسمع عنها ونجد حولها معلومات بالعربية بيد أن المصادر الألمانية حولها غنيّة ولكن أغلبها أكاديمية، وفقط قبل بضعة أسابيع كُنت في محاضرة في جامعة آخن التقنية حول العلاقات بين الإسلام والغرب وتم تخصيص جُزء جيّد للحديث عن عظمة مسجد قُرطبة وضرورة الحفاظ عليه، كما أبدى البعض سخطه من التعديلات التي أجرتها الكنيسة داخل المسجد وشوّهت الكثير من معالمه الفريدة.

أما خارج الجامعات، تجد الإعلام الألماني بعمومه مُنشغلاً -حالياً- في تشويه صورة الإسلام وشن حملات شرسة ضد الأتراك تارة، وضد المغاربة تارة أخرى.. وأحيانًا ينشغل باللاجئين، كما أن أخبار داعش و"الإرهاب الإسلامي" تتصدر الكثير من العناوين، ورغم هذا لا زال هناك من يذكر الأندلس ويحن إليها ويكتب عنها بل ويشد الرحال إليها!

ولا أكتب هذا إلا لأذكر.. أن ما يجمعنا أكثر مما يُفرقنا، ولكن يبدو أن صناعة الأعداء مُجديّة أكثر في أيامنا!