اليهود الأربعة

blogs - egypt
في أربعينيات القرن الماضي كان العالم حين ذاك يمر باضطرابات كثيرة وصراعات فكرية مريرة ما بين الديموقراطية النازية والفاشية والشيوعية، تلك الاضطرابات لم تتوقف عند التبارز الفكري بين مثقفي كل منهم ولكن تبارز الجنود في حرب عالمية ذاقت البشرية فيها مرارة دماء خمسين مليون إنسان، وإذا نظرنا إلى عالمنا العربي فإنه كان يمر بمرحلة من أحلك فترات تاريخه، فعلى جانب كانت الصهيونية تنشئ دولة إسرائيل بحد السلاح وإرهاب جماعة شتيرن، والماباي، والإيرجونزفاي أمام أنظار العالم وتنتهك الحرمات وتوسم العرب بعار الانكسار، ولكن في تلك الأثناء كانت هنالك نقطة مضيئة يمكن أن نتوقف عندها.
 

في عام 1946 اتفق أربع أخوة من يهود مصر ميسوري الحال على الدخول في عالم النشر وتكوين دار أسموها "الكاتب المصري" وتعاقدوا مع طه حسين أن يكون مستشار الدار ورئيس تحرير مجلتها والمتصرف في كل شئونها. كما يُعرف عن اليهود أنهم أهل تجارة كما أن لهم بصمتهم الواضحة في السياسة والثقافة مثل هنري، وراؤول، وآل كوريل وانشغالهم في الاستثمار وجمع الثروات لم يمنعهم من التواجد بشكل كبير في الحياة الثقافية مثل أبطال قصتنا الأربعة، ففي خلال عامين استطاعوا أن يتحولوا من أصحاب توكيل للآلات الكاتبة إلى أصحاب دار نشر استطاعت أن تصبح من أهم دور النشر في مصر والوطن العربي، ومجلتها الثقافية من أعظم المجلات التي عرفتها مصر في عصرها الحديث.
 

سيحاولون الكذب باسم الوطن وحمايته وسيقسمون باسم الأديان والأعراف والتقاليد أن كل ذلك ماهو إلا دسائس ومكائد وضعها لنا الأعداء.

ضمّت الدار كُتّاب من أهم وأنبغ ما أنجبتهم البلاد مثل طه حسين وعبدالعزيز فهمي باشا وسمير القلماوي وعبدالرحمن بدوي ولويس عوض ومحمد عوض ومحمد رفعت وسليمان حزين والكثير من المفكرين والكتّاب والمترجمين، كان إنتاجها الثقافي مهولا متمثلا في عشرات الكتب المترجمة والمؤلفة والمقالات الفلسفية والأدبية، فتعرف القارئ العربي من خلالها على كافاكا وسارتر والبيركامو ودوستوفسكي وستاندل وتولستوي وأوسكار وايلد بيل وجوستنيان، والتعرف عن قرب لتيارات الفكر الغربي القديم والحديث، فكانت الدار ومجلتها تمثل نقلة نوعية في تاريخ الثقافة العربية.
 

لم يدم كثيراً ذلك الينبوع المعرفي ولم تستمر الدار في العمل فالجو العام في مصر والحملات الموجهة ضدها كانت أكبر من قدرتها على الاستمرار، فتوقفت المجلة والمطبوعات وتم إلغاء عقد طه حسين، وظلت تخفض من إنتاجها حتى تلاشى تماماً، كل ذلك نتيجة للحملات الضاربة التي اتهمت الدار على أنها رمح للصهيونية في مصر، وصنعت رمح من مثقفي مصر من أجل اغتيالها بأيدي أبنائها، وأن الهدف الرئيسي من الدار هو أن تستوعب المثقفين المصريين والعرب في تيار ثقافي مشبوه تتبناه هي، في الوقت الذي تنشئ فيه العصابات الصهيونية دولة إسرائيل بالإرهاب.

كما تعودنا أن للحقيقة وجهان، فوجه كان الخوف من الصهيونية ووجه آخر كان محاربة الثقافة المغايرة والمعادية للسلطوية والديكتاتورية والرجعية، لم يكن الخوف من الصهيونية وعصابتها بل كان الخوف من المعرفة وأي محاولة لإنارة عقول الشباب العربي، وكأن بلادنا قد وافقت عن تراضِ أن تنتقل بين أيدي الطغاة، من أيدي احتلال لديكتاتورية ومن ديكتاتورية لاحتلال.
 

الشاهد من استرجاع تلك الفترة وقصة تلك الدار التي لم يكتب لها الاستمرار أن التاريخ دائماً ما يعيد ذاته، توجد دائماً نقطة ما يلتقي عندها الماضي بالحاضر، فدار النشر وتلك المدونات وجهان لعملة واحدة قد يختلفا في الزمن والنشأة والأهداف المرجوة منها لكنهما اشتركا في هدف واحد وهو خلق إنسان جديد قادر على صياغة حاضره ومستقبله ليس كما تريده الأنظمة المستبدة آلة إنتاجية فقط، إن قيل له ازرع زرع وأحسن الزراعة، وإن قيل له اصنع صنع وأتقن الصناعة، وإن قيل له حارِب حارَب وأحسن الحرب، دون أن يسألوهم لمن نزرع ولمَ نصنع وفيمَ نحارب؟، أما التجربتين ظهرا في فترات مظلمة من تاريخنا حيث الجنائن لا تطرح سوى شر، ولكن تلك الأجواء لم تمنع بعض المواهب من ازدهار أوراقها، حتى وإن كانت أزهارها تنبت في بستان الشر فيكفي أنها لم تكن مثل باقي النباتات الجامدة حولها، فهي خير من نبات أعجف أغصانه من حطب.
 

أما الطغاة فالعدو الأكثر شراسة من الإرهاب لهم هو الفهم. سيحاولون الكذب باسم الوطن وحمايته وسيقسمون باسم الأديان والأعراف والتقاليد أن كل ذلك ماهو إلا دسائس ومكائد وضعها لنا الأعداء، لكنهم نسوا أننا نحن البسطاء الذين لم نؤتَ من العلم إلا ما خلقه الله في فطرتنا، ندرك الحقائق بقلوبنا ونرى الحرية ونعرفها جيداً، وندرك أن كل زيادة غير محسوبة تؤدي إلى نقصان، فلم تكن الدار رمح الصهوينة ولم تكن تلك المدونات وجهة للإرهاب بل كل ما في الأمر أنهم أظهروا ما حاولتم إخفاءه، وكان الله بالسِّر عليما.



حول هذه القصة

An Egyptian security officer stands guard in front of the Coptic Christian cathedral complex after a bomb attack in Cairo, Egypt, 17 December 2016. At least 25 people were killed and 35 injured on 11 December 2016 in an explosion outside Cairo's Coptic Cathedral in the Abbassia neighborhood.

أعلنت الداخلية المصرية اعتقال أربعة متهمين جدد بتفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة الشهر الماضي بينهم مشتبه به رئيسي، ليبلغ بذلك إجمالي الموقوفين منذ وقوع الحادث ثمانية متهمين، بينهم امرأة.

Published On 4/1/2017
عشان تعيش بمصر

غرد ناشطون مصريون من روح معاناتهم التي أصبحت تلون حياتهم، فأطلقوا وسم #عشان_تعيش_في_مصر_لازم، في إشارة إلى حجم ضنك الحياة وقلة الحيلة لديهم، علهم يلمسون حلولا ويستفيدون من تجارب بعضهم البعض.

Published On 5/1/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة