بين جيلين!

blogs - father
نظرة واحدة تكفي لمعرفة الفارق بين جيلنا -مثلا- وجيل ابن خلدون الذي مات في أوائل القرن التاسع الهجري؛ فلقد كان يكتب في العلوم الشرعية وكذاك التجريبية كالطب والهيئة والزيرجة والسحر وما إليه. فقد كانت نظرية الوحدة المعرفية؛ تعمل عملها؛ فالطفل في عصرهم كان ينشأ على العلم بكل ألوانه، وأشكاله وأنواعه.. فترى العالم منهم يجيد العلوم الشرعية ويتقنها حتى يبلغ مبلغ الاجتهاد؛ وينال من الطب القسط الوافر، ومن علم الهيئة ما به يستشف أمر الآفاق الفلكية.

 

جيلنا جيل القرن الواحد والعشرين لا يفهم ما كتبه من مات في أوائل القرن التاسع الهجري. نعم وللأسف؛ قرأت مقدمة ابن خلدون من أكثر من أربع سنوات، ومررت على بعض الصفحات فيها مر الكرام. ذلك لأنني لم أفقه كلامه في الهيئة وفي غيرها من العلوم التي لا نعرف منها إلا الأنابيش التي تلقيناها في مقاعد الدرس والعلم. لقد اتسعت الهوة ما بيننا وبين التراث الإسلامي العريق؛ وحل التخصص ليضرب بيننا وبين علوم الأسبقين بسور ظاهره فيه رحمة عادلة، وباطنه فيه الجهل والغفلة والسذاجة.

 

لو أدرك المتنبي زماننا لاستغرق في الضحك والبكاء في آن. إذ أنه يرى الكثير من الموتى بلا ذنب ويرى الكثير من الحمقى في مواقع الرأي والفعل. ولو أدركه لرأينا الكثير من أشعاره في باب السياسة والإيالة، وفي نقد من يمسك بزمام الرأي والفعل.

كنت ترى الأديب في القرون الفائتة؛ ينتقي ما شاء الله له أن ينتقي من كل كتب المعرفة؛ ليستخلص عصارة الفهم العلمي لكل ظاهرة أدبية كانت أو شرعية أو حتى من العلوم التجريبية. ولم تكن لتر ما لدينا من غفلة وسذاجة لديهم؛ فهم كانوا على أشد ما يكون من الصلابة والقوة والرسوخ والتمكن والفهم الثاقب والرؤية المدركة لظواهر الأشياء وبواطنها. اليوم يخرج الشاب وتزهر أوراق عمره، وهو بعد لم يفقه شيئا مما تلاقاه في مقاعد الدرس، وأرائك التعليم.

تراه يسلم عقله كما يسلم عينه وسمعه لأشياء يضيع فيها وقته وجهده وعزمه وحياته. وإذا مر بالعلم والأدب والفكر مر مرور الكرام؛ لا يلوي على شيء ولا يجهد نفسه في فهم مسألة علمية، أو معضلة أدبية لأنه لا يحب أن يضع نفسه موضع الباحث المتأمل المدقق الذي يحتمل لأواء القراءة، وعناء البحث، وظمأ البحث عن الحقيقة، والتلظي بنار الأكاذيب حتى يسبر نور الحقيقة، من ثبج الحرية، ومن منطق الثبات والرسوخ.

 

رحم الله زمان ابن خلدون، ورجاله. وليأخذ الله بأيدي رجال ذلك الزمان المتشح بالجهل، المتسربل بالغلفة، المتقنع بالزيف والخطل والخداع والتلبيس. فإنه يوشك أن ينقض ما أبرمه عظماء أمتنا بأيدي سفل القوم من أبناء هذا الزمان. ممن كانت حياتهم في لهو ولعب وزينة وتفاخر بالأموال المتدفقة في الباطل، وفي الحرث العاطل. فلو أدرك أحمد فارس الشدياق زماننا لأوسعه نقداً كما أوسع زمانه نقداً من ناحيتي الدين والأخلاق.. ولو أدرك ابن الجوزي زماننا لأدخل الكثير والكثير من الحمقى والمغفلين ابتداءً من الحكام والرؤساء مروراً بالجماعات والطوائف..

 

ولو أدرك المتنبي زماننا لاستغرق في الضحك والبكاء في آن.  إذ أنه يرى الكثير من الموتى بلا ذنب ولا جرم.. ويرى الكثير من الحمقى في مواقع الرأي والفعل. ولو أدركه لرأينا الكثير والكثير من أشعاره في باب السياسة والإيالة، وفي نقد من يمسك بزمام الرأي والفعل.. ولو رآه لأقسم وما هو بحانث في قسمه أن هؤلاء المسخ.. لا يعدلون مد أحد من حكام زمانه ولا حتى نصيفه.. ولو أدرك الكواكبي زماننا لزاد في كتابه (طبائع الاستبداد) فصولا وفصولا، وساعتها سيدرك أن زماننا هذا هو أفضل مناخ لكتابة مثل هذا الكتاب من مناخ زمانه

 

ولو كتب للشوكاني إدراك زماننا لكان منه تلك الحسرة على بلاده.. كما كانت حسرته على الديار المصرية لما عدا عليها الفرنسيس ولو كتب لابن تيمية إدراك زماننا لضرب على يد الكثير والكثير من الجماعات المتطرفة والمتشددة التي تستلهم من نصوصه تسويغ العنف والإرهاب ولو كتب لابن خلدون الحياة بزماننا.. لما كتب أن من رأى مصر فقد رأى فيها عز الإسلام.. بل لكان ناصباً لأهلها العداء.. ولكانت نقمته عليهم كنقمته على الأعراب..

 

إذا كتب للشاعر محمود أبو الوفا الحياة اليوم.. لأدرك أن الواقع يعاقبنا على الحياة.. لا على الابتسامات.

ولو كتب لابن القيم إدراك زماننا لألف مصنفاً يتناول فيه سوء الفهم عن الله ورسوله من قبل الجماعات والطوائف وأفراد السلطة وشياطين الحكام، ولزاد في عباراته في كتاب الروح الكثير والكثير من هاتيك الأصناف والألوان والأضراب من المنحرفين "وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وسائر الطوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الإفهام والذي فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله فمهجور لا يلتفت اليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا "

 

ولو كتب لجون رسكن الحياة اليوم، لجدد ما كتب من قوله:" في طريقي إلى المتحف البريطاني كلّ صباح، أجد وجوه الناس تزداد فساداً يوماً بعد يوم ". ولقال " في طريقي كل صباح أجد الناس فساداً أكثر من الفساد! " ولو أدرك أبو حامد الغزالي زماننا. لزاد في كتابه إحياء علوم الدين من المجلدات ما يوسع الأمة إصلاحاً وتهذيبا.. ولزاد الزبيدي في شرحه اتحاف السادة المتقين.. ولدار دورته على دور الناس داراً داراً كما كان يفعل.. ولما اقتصر على الأعيان… بل لعله يفرد لكل تلميذ من تلامذته قرية يقوم بها وحده تعليماً وتهذيباً… هذا إذا وجد تلاميذ أصلا!

 

وإذا كتب للشاعر محمود أبو الوفا الحياة اليوم.. لأدرك أن الواقع يعاقبنا على الحياة.. لا على الابتسامات كما كان يقول في بيته: أود أضحك للدنيا فيمنعني.. أن عاقبتني على بعض ابتساماتي! فليأخذ الله بأيدي رجال ذلك الزمان المتشح بالجهل، المتسربل بالغلفة، المتقنع بالزيف والخطل والخداع والتلبيس فإنه يوشك أن ينقض ما أبرمه عظماء أمتنا بأيدي سفل القوم من أبناء هذا الزمان ممن جعل حياته في لهو ولعب وزينة وتفاخر بالأموال المتدفقة في الباطل، وفي الحرث العاطل..