شعار قسم مدونات

الموت الذي لم يعد يُخيفني

BLOGS-- بعد الموت

على غير عادتها تستيقظ جدتي من النوم قبل صلاة الفجر بوقت طويل ولم تُطل علينا، بل جلست على المنضدة في هدوء تام مُغمضة أعينها، ذهبت إليها وأمسكت بيدها فابتسمت ثم فتحت عينها. قلت لها: انتي قاعده كده ليه يا ستي؟، قالت: حسيت بلسعة برد قومت أشوف جاي منين! 
 

كانت تقول لي هذه الكلمات وهي واثقة من دفء المكان وكانت تبحث عن ذلك الهواء الذي تسلل إلى دفء بيتها، فدائمًا ما كانت تشعر بكل تفاصيل الأشياء من حولها حتى عندما سقطت في ساحة البيت وانكسرت قدمها لم تتألم كما تتألم امرأة في عمرها وهن عظمها وأي صدمة خفيفة يمكن أن تُكسر، بدأت تتجاوب مع الحدث على أنه النهاية، فدائما ما كانت تنظر إلى سقف البيت تنتظر الموت يقترب منها ويأخذ روحها العالقة بين دفتي جسد مُنهك.

عندما توفت جدتي كان على أن أقوم بكل الإجراءات اللازمة فكل أحد يأتي إلي ليقول لي: دع مشاعرك جانبًا الأن! لم أشعر بوفاة جدتي إلا بعد اسابيع من الوفاة كانت الإجراءات قد أحاطت بي وكتمان المشاعر قد أخفاها عني كما أخفاها عن الأخرين، وبدأت تخيل الأمر ثانية وأتذكر وقوفي داخل القبر وتركها!، كيف حدث لي هذا؟ كيف فعلت ذلك؟ 

الأنين الخام الذي يجعلنا ننزوي في ركن من أركان البيت لنحزن، والخوف الخام الذي يجعلنا نختبئ داخلنا، والحب الخام الذي يجعلنا نبوح بعفوية قبل السؤال ونتعلق ونرسم قلب يتخلله سهم يأخذ الحروف التي على جانبيه للأبدية.

في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 أقف أمام شاشة التليفزيون وأرى انهيار برج التجارة العالمي، فقد كنت أنظر إلى المشهد مبتسما وفي مُخيلتي أنه أحد مشاهد أفلام هوليوود فلم أكن أعرف لماذا يبكون ولا أعرف لماذا قال لي أبي إن ذلك سيجلب المصائب!، كانت تصوراتي عن مشاهد الموت أنها مشاهد تمثيلية يمكن تكرارها، فقد تخيلت أن بعد مشهد الهدم ذلك سيأتي مشهد رجل مفتول العضلات يُصرح أنه سيقوم بإنقاذ هؤلاء الضعفاء.

بعدها في عام 2002 قد توفي صالح سليم وكانت المرة الأولى التي أرى فيها والدي يبكي، لم أكن أعرف كيفية الاستجابة مع أخبار الموت فضلاً على أني لم أكن أعرف عن الموت شيء ولكني تأثرت عندما رأيت حالة أبي التي لم أعهدها من قبل، لم يخبرني أبي شيئا عن الحب أو الخوف أو المسئولية أو الحيرة أو الموت، لم يخبرني أبي كيف لي أن أقوم بتعريف المشاعر التي لدي، ولكنه أخبرني أن لا أُضيع حذائي في الحقيقة لم أضيّعه إنما كنت أحاول أن أسقط بعض حبات التوت من الشجرة التي كانت في طريقي للمدرسة، بقذفه إليها فعلق في مكان صعب وعال في الشجرة.

أجمل ما في مرحلة الطفولة هي المشاعر الخام التي نشعر بها فالأنين الخام الذي يجعلنا ننزوي في ركن من أركان البيت لنحزن، والخوف الخام الذي كان يجعلنا نختبئ داخلنا، والحب الخام الذي يجعلنا نبوح بعفوية قبل السؤال ونتعلق ونرسم قلب يتخلله سهم يأخذ الحروف التي على جانبيه للأبدية.

نجوتُ مصادفةً: "كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي وخفتُ على زَمَن من زجاجْ وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ وخفت على عِنَبِ الداليةْ يتدلّى كأثداء كلبتنا.. ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ حافياً، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أُريدُ" محمود درويش 

خرج الطفل من خيمة عائلته دون أن يُخبر أحد والتفتت الأم ولم تجده، خرجت من الخيمة وأخذت تُصيح باسمه بصوت عالي وسط أصوات طلقات الرصاص والدعاء وصوت قادم من المنصة يقول "الزموا أماكنكم وأثبتوا وأدعو الله ". خرجت الأم وسط الناس تبحث عن ولدها وأخذت تتخيله وهو محمولاً على كتف أحدهم وملابسه غارقة في الدماء، تحاول أن تتوقع موته وماذا ستفعل عندما تشاهد المشهد حقيقي!
 

 الهتاف يعلو ويقطعه صوت طلقات الرصاص والأم لا تقدر على التقدم والدموع تُغرق أعينها، وفجأة يأتي الولد ويمسك بجلبابها فتنظر إليه وتنهال عليه وتضربه بقسوة فتسكت فجأة وتبدأ بالبكاء بصوت عال وكأنها فقدت ولدها بالفعل! حقيقة لم أكن أعلم هل كانت تبكي خوفاً على ولدها؟ أم كانت تبكي لأنها خافت في أرض قل فيها الخوف وأصبح توقع موت أحد أصدقائك أو أبنائك أو أحد من أفراد العائلة شيء وارد ومتوقع!

في أحد المظاهرات كنت أنا وصديق لي لم يعهد حضور المظاهرات والاشتباكات من قبل، وفي طريقنا إلى مكان المظاهرة وكان معنا أعداد كبيرة وقد علقنا في مواجهة الشرطة وقد بدأت قنابل الغاز تتفاوت من تحت أقدامنا وطلقات الرصاص تخترق حاجز هتافاتنا وبدأ صديقي يبكي ويقول: احنا هنموت.

لم أستوعب كيف تحول الشخص الذي كانت تهتز قدمه وهو يُقدم على المعركة إلى شخص يُمرر الأكفان على إخوته ويردم عليهم التراب ويمضي لاستكمال ما بدأ.

لم أشعر بالخوف ولا بالشجاعة، لم أشعر بشيء، ولم أكن وحدي في ذلك بل كان هناك من يقف للموت ويُناديه وأخرين يستفزونه بصدورهم المكشوفة إليه، عندما اقتربت من مشاهدة الموت عن قرب لم يُمهد لي الأمر بل أطلق تداعياته من آهات مُتقطعة ودماء أحدهم قد أسكبها بين يدي وعلى ملابسي، كانت الثورة قد وضعتنا أمام الموت وجها إلى وجه، وأعينه على اتساعها يشاهدنا ونحن نخاف ونختبئ منه تارة وتأخذنا شجاعة لم نعهدها ونقتحمه تارة أخرى، لكن صدقًا كان ينتظرنا أحيانًا كثيرة فكان يمهل لنا ولا ينقض علينا فجأة، فدائمًا كان حريص على أن يصنع حكاية بمشاهد وايقاع. 

أول ما قرأت عن الجهاد كان كتاب "ذكريات عربي أفغاني " فقد رأيت من خلاله الإيمان والصبر ومستويات الابتلاء العدة والمعركة بتفاصيلها وأنين الجرحى وصمت الأشلاء الممزقة والشجاعة التي تجعلك ترتجف خشية منها، والأخوة والإيثار وصخب الرصاصات والحمد عند الانتصار والاستغفار عند الهزيمة. 

قد وصلتني كل تلك المشاعر من ذاكرة ثقيلة بما تحمله من ألم وفجيعة وهول وهدوء تام ثم لا مبالاة ، لم أستوعب كيف تحول الشخص الذي كانت تهتز قدمه وهو يُقدم على المعركة إلى شخص يُمرر الأكفان على إخوته ويردم عليهم التراب ويمضي لاستكمال ما بدأ، فقد اعتاد الموت والشكل الإجرائي في التعامل مع الأمر، ولم يكن يهتز بداخله عندما يسمع خبر الموت فإنه أصبح وجبة اعتيادية يمكن تناولها باردة ولا تشغل أي مساحة داخلية له، يقولون عنه "ثبات" ولكني أشعر أن شيئا ما قد انطفأ في قلوبنا فلم نعد نشعر بالألم والحزن الخام الصادق. أتذكر هنا كلمات "مريمة" في رواية رضوى عاشور "ثلاثية غرناطة " بعد ما اشتد البلاء عليها بين الاستبشار بالثوار وتبديد الأمل وحرقة القلب مع اجهاض كل محاولة لاسترداد الارض والأصل والهوية: – 

"ما عدنا نطيق، والله ما عدنا نطيق، فلماذا تبلونا بكل هذا البلاء؟ هل طلبنا منك الكثير؟ لم أطلب جاها ولا مال. ما طلبت سوى أن أكحل قبل الموت عيني برؤية الصغار، وأن أدفن بعد الموت، بما شرعته من غُسل وكفن وآيات من آياتك تقرأ في العلن علي.. هل هجرتني؟ هل هجرتنا؟! "

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.