شعار قسم مدونات

الحَلَقَة الهِرْمنيوطيقيّة في دِراسات أ.د. إحسان الدّيك

blogs - رجل في مكتبة
إنّه لَمِنْ حقِّ كلِّ طالبِ علمٍ أن يفخرَ بأستاذِه وشيخِه، فيكون لزاما على التلميذ وإلزاما أن يردَّ إلى مَن أبصره سُبَلَ العلم والبحث والتحقيقِ بعضًا من الجميل وفاءً وعرفانًا.

سأتحدث في المدونة هذه، إن شاء الله، عن أستاذي في جامعة النجاح الوطنية، الأستاذ الدكتور إحسان الديك، حيث سألِجُ إلى فضائه البحثيِّ من زاوية فلسفية، فأقدِّم رؤيته الفلسفية الهيرمينوطيقية في دراساته.

النص الأدبيّ يحمل في كَيْنونتِه معْنيَيْنِ: المَعنى اللَّفظي/ الثابت، والأهمية، فإذا كان الأوَّل يقبلُ التَّحديد، فالثّاني في حالة تغيُّر مُسْتَمرٍّ ولا يقبلُ التّحديد.

وقبل أن أبدأ موضوع الدّراسة، أودُّ أن أقدِّم ملخصًا موجزًا حول أستاذي، أ.د. إحسان الديك.
الأستاذ الدكتور إحسان الديك، من مواليد قرية كفر الديك، نابلس، فلسطين، سنة 1956، أستاذ الأدب الجاهلي في جامعة النجاح الوطنية في فلسطين، ويشارك في العديد من المؤسسات العلمية، أصدر أكثر من أربعين دراسة بين كتاب وبحث محكَّم، منها صدى الأسطورة والآخر في الشعر الجاهلي، والأسطورة في فكر الجاهلي وأدبه، وتمثيلات الخطاب في الأدب الفلسطيني، وأشرف على ما يربو على أربعين رسالة ماجستير في جامعات فلسطين، ويشرف إشرافا مشتركا على رسائل الدكتوراة في جامعة عين شمس في حقول الأدب والنقد، وهو عضو هيئة تحرير في مجلات علمية محكمة في فلسطين والأردن ولبنان والجزائر وغيرها، كما يعد عضوا في في مؤسسات تعليمية وثقافية وإبداعية في أرجاء الوطن.

شارك في مؤتمرات عدة في الجامعات الفلسطينية والعربية والإسلامية، يعدّ الديكُ رائد المنهج الأسطوري والدراسات الميثولوجية الشعبية في فلسطين والعالم العربي، وهو يسعى في دراساتِه حثيثا إلى قشع الضبابية عن صورة الجاهلي في المخيال العربي الحديث، كما يسعى إلى تجذير الوجود الفلسطيني في سبيل مقاومة صلف الأساطير المختلقة، ومحاججة الآخر.

قَدْ يَبْدو مُصْطلحُ الحَلَقَة الهِرْمِنْيوطيقيّة مَشُوبًا بذلِكُم الغُموضِ الذي يَصُدُّ المُتَلقّي عَنْ فَهْمِ دِلالتِه، كَوْنه مُصْطَلحًا فَلْسفيًّا أَفْرَزَتْه فلسفة "فيلهيلم ديلثاي" في شَرْحِه نَظرية التأويل/ الهيرمنيوطيقا، ما يُوجِبُ عَلَيْنا بِدايةً الكَشْف عن كُنْه المُصْطَلحِ، كَيْ نَرْأَبَ الصَّدعَ ما بَيْنَه وَالمُتَلَقّي قَبْلَ الوُلوجِ إلى مِحْوَرِ ما نَبْغي.

لا يتَّسِع المقامُ بدايةً لِلْوُقوفِ على أُصولِ مُصْطَلَحِ الهيرمنيوطيقا، وجذورِه التّاريخية القارَّة في التأويلاتِ الرّمْزية في أشعار هومر في القرن السّادس ق.م، وتَأْويلات الكُتُبِ المُقَدّسة عندَ اليهودِ والنّصارى، غَيْرَ أنّنا نكْتفي بالقوْلِ: إنّ مصطلح الهيرمنيوطيقا هو باخْتصار نظرية التّأويل وممارسته، ولذلك لا حدودَ تؤطِّر مجال هذا المصطلح سوى البحْثِ عن المَعنى والحاجة إلى توْضيحِه.

توصَّل ديلثاي أثْناء شرْحِه نظريّة التَّأويل إلى ما أسْماه "الحلقة الهيرمنيوطيقيّة"، ومفادُها: كيْ نفهمَ أجْزاء أَيَّةِ وحْدةٍ لُغَويّة لا بدَّ أن نتعاملَ مع هذه الأجْزاء وعندَنا حِسٌّ مُسْبَقٌ بالمَعنى الكُلِّيِّ، بَيْد أنّنا لا نستطيعُ معرفةَ المعنى الكُلّي إلّا من خلال معرفة معاني مكوِّناتِ أجْزائه، هذه الدّائرية في الإجراءِ التّأويليّ تنطبقُ على العلاقاتِ بينَ معاني الكلماتِ المفردة في العملِ الأدَبِيّ، والعملِ الأدبيِّ كَكُلٍّ.

ولا يعْتَبِرُ ديلثاي هذه الدّائريّة حلقة مُغْلقة، أو لِنَقُلْ: خَبيثة، إذْ يرى أنّنا نستطيعُ التوصلَ إلى تأويلٍ مشروع من خلال التّبادلِ المُسْتَمر بين إحساسِنا المتنامي بالمعنى الكُلّي، وفهمِنا الاسترجاعيّ لمكوِّناتِه الجزْئيّة.

ما يميّز الحلقة الهرمنيوطيقيّة عن نظريّة الاستقراء أنّه لا بدّ من وجود فَهم مُسْبق للكلّ قبلَ تفحُّصِ أجزائه واستقصائها، وهذا ما أسماه "غادامير" بـ"التّحيُّز"، أي الحكم الذي يسبق التّحرّي والبحث.

قدْ يلْحظُ المُطَّلِعُ على دراساتِ أ.د. الدّيك انتهاجَه هذا النّهج الفلسفيّ في مُعْظَمِ دراساتِه، ولْنَأخُذْ في هذا المقامِ قراءتَه لِعَيْنِيّةِ الحادرة أنْموذجًا، فالدّيك يقرّر، انطلاقًا من فَهمٍ مُسبق، قبلَ ولوجِه تفسيرَ جزيئيّاتِ العَينِيّة أنَّ الحادرة شأنُه شَأْن الشعراء الساميّين القدماء، يُنشِد ترتيلتَه ويَتَوجَّه بالدُّعاء إلى الأم الكبرى/ سُمَيَّة، فَيَطْرَح إشاراتِ العَينية المُنْبِئة عن سُمُوِّها.

ليست هذه الربة – كما رأيْنا- إلّا عشتار، وليست هذه الأنشودة إلّا ترتيلة كتراتيل القُدماء، ممّا يؤكِّد عراقة الشاعر الجاهليّ.

مِنْ فَلْسفةِ "هيرش" التي ترى أنَّ النص الأدبيّ يحمل في كَيْنونتِه معْنيَيْنِ: المَعنى اللَّفظي/ الثابت، والأهمية، فإذا كان الأوَّل يقبلُ التَّحديد، فالثّاني في حالة تغيُّر مُسْتَمرٍّ ولا يقبلُ التّحديد.

ويقترب مُصطلح الأهمية عندَ هيرش من هيرمنيوطيقيّة "غادامير" التي ترى أنّ المعنى يبرزُ نتيجة محاورة تداخليّة بين النصّ والقارئ في زمان محدد وحسب أُفُق شَخصيّ مُعَيّن وخاص.

نقول: مِن فلسفة "هيرش" السّابقة لا ينكر الدّيك أنّ سُمَيّة الحادرة قد تكون امرأةً حقيقية من لَحْمٍ وَدَمٍ افْتُتِن بها الشاعر ووله بحبِّها، لكنّ ذلك لا يمنع أن يكون وراء هذا الغزل مَغْزًى، أو أن تستحيل سُمَيّة إلى سرٍّ كبير، كما قال، وأضافَ أنَّ النّصَّ مفتوحٌ لا يُحَدُّ بِحَدٍّ.

يَأخذ الدّيك بعد ذلك في قراءة جزيئيات النّص وَفْقَ فَلسفته المؤطرة مُسْبقًا، كيما يصل إلى النّتيجة التي ابتدأ بطرحِها، فيذهبُ إلى تحليل اسم "سُمَيّة" أسطوريًّا، ويفسِّر سبَبَ كثرة النِّداء في القصيدة، ويقرأ ما تفيده الظّروف الزمانية في النص من أدلّة تقرِّرُ رؤيتَه، ويَقفُ على تشبيه الحادرة سُمَيَّته بالغزال، ويَستنطِقُ الألوانَ المُقدَّسة في النّص، إلى غير ذلك من التحليلات الجزئية التي لا يتَّسع المجال إلى ذكرِها.

وفي الختام، يُغْلِقُ الديك دائريّتَه المُحْكَمة بِقَولِه: ليست هذه الربة – كما رأيْنا- إلّا عشتار، وليست هذه الأنشودة إلّا ترتيلة كتراتيل القُدماء، ممّا يؤكِّد عراقة الشاعر الجاهليّ، واغْترافِه من مَوْروثِ أجدادِه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.