أُحبكِ وأتمنى الرضا

BLOGS-يا الله

أحبك أيتها الكلمات الطيبة التي يجريها الله على الألسنة، فتجمع بين متفرقين، وتؤلف بين قلوب عباد مؤمنين، فتجعلهم إخوة متحابين، وترطب الألسنة بذكر خالق الأكوان رب العالمين، وتصعد إليه -جل وعلا- "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه"، فيكتب الله لقائلها رضوانه، وإن ألقاها لا يظن أن تبلغ ما بلغت.

 

أحبك أيتها الأخوة في الله، التي تجمع المؤمنين، لا تجمعهم إلا على مرضاة الله، من غير أرحام ولا أنساب، فيتفاضلون بالتنافس على مَلْئ القلب بها، فيكون أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه، وينالون بها حب الإله الواحد -جل وعلا- ومصاحبة الأخيار الصالحين في الجنة ممن لم يروهم في الدنيا، ولكنهم صحبوهم بحبهم، فالمرء مع من أحب. أحبك أيتها الأخوة في الله التي يرتقي أصحابها على منابر من نور يوم القيامة، يغبطهم الأنبياء والشهداء. وينعم المجتمعون عليها، بظل عرش الرحمن، يوم لا ظل إلا ظله، ولا فضل إلا فضله.

 

أحبك أيتها البارودة التي تصاحب مجاهدا في سبيل الله، فيبطش بها، لا لنفسه، ولكن لله، فيعز دينه، ويعلي رايته، ويصيب قلب أعدائه، ويدمغ باطلهم، ويريهم الذل أصنافا وألوانا.

أحبك أيتها الهجرة المباركة التي تخرج المسلم من حال المعصية إلى الطاعة، ومن سلوك طريق يلتمس فيها دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، إلى سبيل الهجرة إلى الله ورسوله، فيرتقي الإنسان في مدارج السالكين، ومنازل السائرين، وصحبة الصالحين، فيفر من الله إلى الله، ويصدق في العمل لمرضاته، ويعلم أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فيتبعه حبا في الله، ويحب ما يحبه ومن يحبه، ويبغض ما يبغضه ومن يبغضه " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ".

 

أحبك أيتها الهجرة المباركة، التي يخرج بها المسلم من أرض الظالمين إلى أرض الصالحين، فيفتح الله له بها من أبواب الخير والسعة مالا يعلمه إلا هو " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة "، فإن مات أو قتل في طريق هجرته قبل أن يتمه أجرى عليه الله أجره، وكتبه في ميزانه " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ".

 

أحبك أيتها البارودة التي تصاحب مجاهدا في سبيل الله، فيبطش بها، لا لنفسه، ولكن لله، فيعز دينه، ويعلي رايته، ويصيب قلب أعدائه، ويدمغ باطلهم، ويريهم الذل أصنافا وألوانا، ويقيم دين الله في أرضه، ويبني صرح شريعته، بعد فضله – تعالى – عليه بالتمكين والعلو على المغضوب عليهم والضالين، وأشياعهم من المنافقين، " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور".

 

أحبك أيتها الموالاة والمعاداة في الله، فلا يحب المرء إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، فلا يظاهر كافرا على مسلم، ولا ينصره عليه، ولا يواد من حاد الله ورسوله، ولا يعلي إلا ما أعلاه الله، ولا يضع إلا ما وضعه الله، ويحسن صحبة من لم ينابذ المؤمنين العداء ولم يحاربهم، ولم يخرجهم من ديارهم، فيبره ويقسط إليه.

 

أحبك أيتها الشعيرة المعظمة، ذروة سنام هذا الدين المتين، جهاد أعداء الملة والدين، التي أعلت راية الموحدين، وأخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العالمين، ومن جور الأديان إلى عدل دين المنان، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وأقامت لأصحابها عند الله مائة درجة، ما بين كل درجة وأختها كما بين السماء والأرض، وذاق شهيدها من النعيم ما غفر الله له به مع أول دفقة من دمه، ولم يحس بألم القتل إلا كما يحس بمس القرصة، وأراه الله مقعده من الجنة، وأجاره من عذاب النار، وأمنه من الفزع الأكبر، ووضع على رأسه تاج الوقار، وزوجه ثنتين وسبعين من الحور العين، وشفعه في سبعين من أهله .

 

أحبك أيتها الدرجة التي كتبها الله لأفضل الشهداء، لمن إذا كان في الصف ضد العدو، لا يلفت وجهه حتى يُقتَل، فيجعله الله في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليه، ومن يضحك الله إليه في الدنيا، فلا حساب عليه. أحبك أيتها الجنة، التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يا من يمن الله على من يرضى عليه فيها بمنحه الزيادة، فيتجلى له -سبحانه وتعالى-، فلا أُعْطِيَةَ لأهلك أفضل من هذه المنة الربانية، والنعمة الإلهية، برؤية رب البرية.

 

أحبك أيتها التوبة، التي تجعل الباب مفتوحا دوما إلى التواب الرحيم، فيقبل المسرفون على أنفسهم، غير القانطين من رحمة الله، طامعين في رحمته.

أحبك أيتها الرقابة الربانية، التي توقف المسلم عند حد لا يتخطاه، فيتدبر كل ما هو مقدم عليه، هل هو خير فيتمه، أو هو شر فيقطع دابره، فيعلم أن الرقيب عليه في كل سكنة وحركة، لم يخلقه هملا، ولن يتركه بلا حساب أو جزاء، فيقتحم ميادين العمل الصالح، طمعا في جبال من الحسنات تكتب له، وإزالة تلال السيئات التي كتبت عليه، ويرتقي في درجات الإحسان بعلمه أن الله يراه، وإن كان هو لا يرى الله، فإنه لا يرى اللهَ أحد ٌفي الدنيا، مهما علت درجته.

 

أحبك أيتها التوبة، التي تجعل الباب مفتوحا دوما إلى التواب الرحيم، فيقبل المسرفون على أنفسهم، غير القانطين من رحمة الله، طامعين في رحمته، متيقنين من غفرانه -للمقبلين عليه- ذنوبهم جميعا، فهو الغفور الرحيم. فإن تكرر الذنب، علم العبد أن له ربا يغفره، فتاب وأناب، وما مل من العودة والإياب، فإن لم نكن نذنب، لذهب الله بنا، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون، فيغفر الله لهم، والله لا يمل حتى يمل العبد، وهو – جل في علاه – يفرح بتوبة عبده، ويفتح له بابها مالم يغرغر، ومالم تطلع الشمس من مغربها.

 

أحبكن جميعا، وأتمنى الرضا من الله تعالى، فيرزقني من فضله، إنه هو الرزاق ذو القوة المتين، فأتقلب في نعيم عطاياه، وأتلذذ بالأنس به في دنياه، ومتعة النظر إلى وجهه الكريم في دار لقاه، فلا هناء في الدنيا إلا بقربه وطاعته وعبادته وبذل النفس والمال في سبيله، ولا أعطية في الآخرة أفضل من رضاه.