هل نحن عبارة عن أوراق؟

blogs - ورق
"الورق" في زماننا الآن هو كل شيء، فلا تجد أحدا يعترف بنجاحك دون شهادة تبرهن له ذلك.. وﻻ أحد سيعترف بقدراتك إﻻ بعد أن تقدم له جميع "أوراقك"، بل وتتبعها بسيرتك الذاتية المكتوبة أيضا على "ورقة " أخرى.

وأما إذا كنت بلا "أوراق" فلا أحد سيعترف بك! لأنك في تلك اللحظة ستكون كالميّت! بل إن الميت أفضل منك لأنه على أقل تقدير يمتلك "ورقة" شهادة الوفاة!

تجد الناس في الصباح يركضون في المحاكم حاملين معهم مئات "الأوراق" التي تتباين بين النفي والإثبات فهي القول الفصل في ذلك، والتي إذا فقدت ربما تضرر أحد المتحاكمين وربما وصل به الأمر إلى أن يفقد حياته! ويركض الطلبة إلى المكتبات ليقتنوا بعض "الأوراق" التي قد تساعدهم على النجاح، ونيل الشهادات العليا. ويتسارع طالبوا العمل إلى طباعة "الأوراق" التي قد تشفع لهم بوظيفة عابرة ربما يجدون فيها مبتغاهم، ويحصلون من خلفها على لقمة العيش الهانئة.

لا تزال قوة الأوراق  حاضرة! ولا يزال تأثيرها واقع لا مناص منه! وﻻ تزال مصانع الورق  تجني الأرباح الوافرة!

ويمضي الإنسان في حياته حاملا معه "أوراقه" التي ربما يفضل بعضها على أمواله! فتجده يضعها في مخازن خاصة، ويخاف عليها ربما أكثر من أبنائه وأحبابه! ويمسك بها وكأنه يمسك بروحه! أنه يعتقد أن تلك "الأوراق" لو طارت في موجة ريح عابرة لغرق هو في بحار النهاية!

وهذا الحرص لم يكن من فراغ.. لأن "الورق" في يومنا الحاضر هو المقياس.. فبه يتوهم الناس التفاوت والتفوق بين مواطن ومقيم.. وبه يكون مقياس الإنسان في سباق الشهادات التي توهَم كثير بأنها ترفع المقام.. ولكن رفع المقام يكون بما في عقل الإنسان وليس بما يوجد على صدر "ورقة" صامتة! وأصبح "الورق" هو الذي يرفع الإنسان اجتماعيا، فسعى الكثير لذلك عبر شراء الشهادات! لكي تصبح لهم مكانة اجتماعية، يجنون من خلالها وجاهة في المجتمع بقناع واهم!

وحتى في جموح التقنية ورغبة الناس في تسريع المعاملات بالضغط على (الزر الإلكتروني) الذي سينهي كل شيء… ورغم هذا، فلا تزال قوة "الأوراق" حاضرة! ولا يزال تأثيرها واقع لا مناص منه! وﻻ تزال مصانع "الورق" تجني الأرباح الوافرة!

وهذا الأمر يبدو أنه سيطول، لأن الكثير لا يزالون يسعون خلف طباعة "الأوراق" بشتى أشكالها .
وفي زحمة قضية "الأوراق" وأهميتها التي يُلحّ عليها الزمان أتساءل قائلا: هل أصبح هذا الإنسان عبارة عن "ورقة" صامتة؟ أو رقم مبهم في كمبيوتر؟ وهل يمكن للتقنية أن تكون بديلا نهائيا لجميع "الورق"؟!

حكمة المقال: بعيدا عن وهم الورق، فالإنسان بذاته.. ﻻ بأوراقه!