شعار قسم مدونات

نحن نعبد الأصنام (2)

blogs - idol
مراجعة وتوضيح

في الأسبوع الماضي كتبت تحت عنوان : نحن نعبد الأصنام. لا أخفيكم أنني لم أتوقع ردود الأفعال التي تلقتها المدونة من ناحيتين، الموضوع الذي اعتبره البعض إلحاداً، واعتبره آخرون إفتاءً بغير علم ولا أعرف على وجه الدقة ما نوع الفتوى التي أصدرتها، بينما رأت مجموعة ثالثة أنه من واجبها أن تبين لي مدى فسادي وصلاحهم وكان محتوى التعليق يقتصر على دعاء يشبه: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهم.. أما الناحية الثانية فكانت اعتراضاً على نوع المثال المضروب وكونه غير واضح أو لا يليق بالفكرة التي أردت الحديث عنها.

عليّ أن أقرّ بأنني بعد أن أعدت قراءة المقال أكثر من مرة اتفقت مع من يقول بعدم مناسبة المثال، لعل شطحات الكاتب أثرت عليّ وأغفلتني عن وضوح المحتوى وملاءمته. لذلك فأنا أكتب الآن حتى أعيد طرح القضية على الصورة التي أراها حقاً وبدون أحاجٍ لغوية أو عبارات ساخرة، للرد على من يتعذّر بهذا لكي يرفض الفكرة بالكلية.

تحدثت عن كوننا نظن بأن ترديدنا لعبارات التوحيد كما فعل الكثير من القرّاء يدفع عنا تهمة الوثنية والشرك وكأنها تعويذة نلقيها في وجه الشيطان، نحن لا نريد أن نعترف بأن فينا من الشرك شذرات أو أكثر حتى لا نضطر للتعامل معها. سيصرخ في وجهي أحدهم ويحدثني عن فداحة ما أتفوه به، ويقول لي أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك، من أجل هذا علي أن أتوخى الحذر في توصيفي للأمور وعليّ أن لا أتحدث فيما لا أعرف وأن لا أخوض فيما لا أدرك. والحقيقة أن الشرك بالنسبة لي يتعدى أن نعلق التمائم، ونحلف بالأنبياء، ونتشاءم من الغربان.. بل يتغلغل في تفاصيل حياتنا دون أن نلقي بالاً، وتصدر منّا الأفعال العِظام فنراها صغائر.

يعلم الله أنه ما من فساد أكبر من تفريغ الدين من كل شيء وحصره في تعبديات لا يدرك العبد كيف تربطه بالإله، ولا تحقق في نفسه أي قدر من الاستقامة وصلاح الحال..

سأحدثكم عن التوحيد الذي أعرف، ولنعُد قليلاً إلى مرحلة اعتناقي الإسلام اختياراً لا وراثة، وقد كان ذلك في 17 أو 18 من عمري تقريباً. أذكر أنني عندها كنت أتأثر كثيراً بالكذب كخطيئة إنسانية. كانت قناعتي الجديدة بالإله تقتضي أن لا أخاف من غيره أو أتأمل فيما عند غيره، والكذب يأتي من الخوف والطمع، الخوف من خسارة شيء ما، أو الخوف من التعرض لعقوبة ما، أو الطمع في الحصول على شيء ما مادياً كان أو معنوياً.
 

كنت أرى أن من يكذب لا يؤمن حقاً بأن الله خالقه وإلهه، وإلا لأدرك أنه قادر على المنع والعطاء ولم يلجأ للكذب للحصور على ما يريد أو التخلص مما يخاف.. لا تحدثوني عمّن يخاف على دينه وعرضه فهذا سياق استثنائي، أنا هنا أتحدث عن الكذب اليومي الذي اعتاده الناس وأصبح ملازماً لهم، عن الكذب الذي صار كأخذ النفس. أين التوحيد في رجل يبدأ يومه بكذبة خشية من رئيسه في العمل، وينتهي بكذبة على زوجته هرباً من تحمل مسؤولية؟ أين التوحيد في امرأة تبدأ يومها بالكذب على جارتها حتى تظهر بمظهر لائق وتختمه بالكذب على بائع الخضار حتى يعفيها من بضعة قروش؟ ستقولون هذه ذنوب صغيرة، وأنا أقول بل هي دليل على خلل عميق.. وهذا الكذب فقط.. فكر في الرشوة وفي المحسوبية وفي السرقة… كلها تنبع من عدم تسليم للخالق الذي ندّعي أننا نوحده، من خوف أو طمع نظن أن منعه وعطاءه بيد غيره..

غضب منّي الموحدون عندما قلت نحن نمارس الوثنية كل يوم دون أن ندرك واستجلبوا لي شيوخهم وعلماءهم، وقالوا ليس لنا أن نتحدث ونحن لم نصل بعد إلى مرتبة هؤلاء.. وأنا أرى يا أصدقاء أننا بفعلنا هذا لا نختلف عن من كان يقدم قرابينه إلى الصنم، فذلك تخلّى عن عقله واختياره ونحن قررنا التخلي عن عقولنا واختيارنا حتى نتحلل من مسؤولية التفكير والتدبر.
 

عندما نقول لا كهنوت في الإسلام يردون بأنه لا فتوى بغير علم، من صاحب العلم الذي تحتج به؟ أكل من جاءك حافظاً في جعبته مجموعة من الفتاوى والأحكام صار عالماً؟ هل من يعيد حديث من سبقه ويتقفى أثره كأنه لم يمرّ عليه قرون وأعوام صار عالماً؟ لا لسنا بعلماء نصدر الفتاوى ونطلق الأحكام، ولكننا أصحاب هذا الدّين لنا أن نتفكر فيه وفي فعل أهله، ولنا أن نفسرها وفق ما عرفنا وتعلمنا واكتسبنا من مدارك! ونعم قد يتفوق طالب بسيط في الجامعة على عالم ممن يدور حولهم الدائرون لأنه ببساطة يرى الأمور خلاف ما يراها ذلك الشيخ الذي ربما لا يعرف شيئاً عن وضع الناس العقدي والفكري ومازال يحدثهم بنصوص كتبت لأجداد أجدادهم!

ما أشدّ أسفي على رسالة جاءت لتحرر الناس أولاً من أنفسهم وثانياً من العالم الذي كان حولهم، فلم تعتد أفواهمم طعم هذه الحرية الجديدة، فبحثوا وبحثوا حتى وجدوا شيئاً مما كانوا يعهدون وأعادوا نثره في ثناياه وبين تفاصيله.من يقرأ التاريخ يعرف أن السلطة الدينية بمفهومها الحديث الذي يحجر على الناس نشأت وترعرت على يد من أراد أن يحكمهم بالدين، فقال لهم: هذا هو العالم الكبير والحبر العظيم إمام السلطان وشيخ الوالي، إليه فاتجهوا. سيفكر بدلاً منكم، وسيوفر عليكم عناء البحث، سيرشدكم إلى خير السبيل..

وإنه من أسباب يقيني بالله أن حفظ لنا أصل الدين ورسالته حتى يومنا هذا رغم كل النزعات التخريبية، والشطحات الفكرية، والسياسات التلاعبية التي تعرض لها. فإذا جئنا الآن لنقول ردّوا هذا الدين إلى أصله بالتعقل والتدبر.. قالوا أنتم متفلسفون ضالون، تريدون إفساد العامة وتخريب العقيدة.. ويعلم الله أنه ما من فساد أكبر من تفريغ الدين من كل شيء وحصره في تعبديات لا يدرك العبد كيف تربطه بالإله، ولا تحقق في نفسه أي قدر من الاستقامة وصلاح الحال..

لا أقول كل هذا الكلام دفاعاً عن نفسي أو انتصاراً لما أرى، ولكنني فقط أشاركه مع من قد يجد فيه باباً يدلف منه إلى مساحة للتفكر. ننظر فيها إلى كل فعل ونبحث في كل تفصيلة حتى إذا ما قرأنا أو سمعنا أن رسول الله كان قرآناً يمشي على الأرض فهمنا ولو قليلاً ماذا يعني هذا، بدلاً من الاكتفاء بالتنهد والبكاء..

أقول هذه الكلمات لمن يريد أن يسمعني ويتأمل، وليس على أحد أن يتفق، ولا أن يختلف، ولكن ليس عليكم أيضاً أن تعيشوا دور من ينتصر للدين في معركة وهمية يعلنها ويحسمها لصالحه.

ربما مازلنا نعبد الأصنام لأننا لم نتعلم بعد كيف نتوقف عن محاولة إثبات أننا على صواب، فلسنا نبحث عن الحق إن كنا نغضب لأنه ليس معنا.. وذلك يا أصدقاء هو صنم الذات..

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.