شعار قسم مدونات

لماذا تحوَّل دونالد ترمب إلى معرفة؟!

blogs - trump
يقول الفيلسوفُ الألمانيّ هيغل "لا يوجد شيء بالصّدفة" ربّما هذه المقولة صحيحة إلى حدّ ما، وبناءً عليها يمكنُ لنا أنْ نتكئ عليها اتكاء المُطمئن في ما يتعلق بالضّجة الإعلامية المُخيفة الّتي طالتْ الرئيس الأمريكيّ المُنتخب دونالد ترمب، بنجاحه وشخصه وزوجته وبنته وبيته وتاريخه ومستقبله، وأثر ذلك النجاحِ على أمريكا والعالم اقتصاديّا وسياسيّا وثقافيّا واجتماعيّا، مما سينتج عنه الدّمار والخراب والاستبداد والتّطرف والظّلم، فقد ملأ ترمب الدّنيا وشغل الناس، فالخَلْقُ لا يَسهر تفسيرا وشرحا لخطابه وعباراته فحسب، بل يسهر مُعلِّقا ومُستهزِئا بحركاته وسكناته وأكله وشربه ولباسه وخروجه ودخوله.

وفي خضم هذه الهجمة الإعلامية على ترمب ثمة سؤال يطرح نفسه بقوة وعنف، وهو: ما الفرق بين ترمب وغيره من الرؤساء الأمريكان الذي فازووا بالانتخابات الأمريكية؟ ما الفرق بينهم شكلا ومضمونا؟ وما الفرق إجراء وإعدادا وبرنامجا؟ طبعا سيظهر من يقول هناك فرق واضح وجلي؛ إذ خرج الرجل بتصريحات لم يجرؤ أحد من رؤساء أمريكا السّابقين أنْ صرَّح بها في ما يتعلق بالمهاجرين والمسلمين، والعنصرية والكراهية.. وغير ذلك.

نجاح ترمب يُعدُّ أمرا حتميا وطبيعيا، فضلا عن أن أمريكا دولة مؤسسات وقوانين وأسس، فالقرار الأمريكي قرار جماعيّ تشاركيّ.

نعم هذا صحيح، ولكن هذه التصريحات توحي بشيء من المصداقيّة والصراحة، وتنأى بالرجل عن الخبثِ والمكرِ والخديعة، وهذا، بلا ريب، يبعثُ على الاطمئنان لا القلق، وذلك لأنَّه، ببساطة، أنَّ ثمّة قواعد وأسس يتفق عليها جميع الرؤساء الأمريكان، وهي أنَّهم من حيث الواقع متفقون على أنّ الجانبَ النظري في خطابهم مرتبطٌ بمصالحهم الشخصية لاستحواذهم على أكبر عدد من الأصوات، ومتفقون على أنَّ التّطبيق لا يعدو كونه نابعاً من مصلحة أمريكا القائمة على ثلاثة ركائز أساسية وهي: الهيمنة من أجل الطاقة، والأمن القومي، وحماية الكيان الصهيونيّ في فلسطين، وذلك في إطار مؤسساتيٍّ عريضٍ وكبيرٍ، فما عدا ذلك فلا قيمة له، فليحترق العالَم بِأسره، وتُدمَّر البلاد ويُهلك العباد.

هذه هي الحقيقةُ الّتي لا مفرَّ منها، فيمَنْ يقرأ ويبحث في التّاريخ الأمريكيّ حديثاً وقديماً. إنَّ نجاح ترمب كانَ أمرا طبيعيّا ومنطقيّا، وذلك -في نظري- يعود لسببين، الأول: أنَّ الشعبَ الأمريكي في بنيتِه الإرثيَّة والسّلوكية يكره المرأةَ ولا يؤمن بها كنوع بشري يصلح لمنافسة الرجل والسّير بمحاذاته كفرسي رهان، وكيف إذا كانت المرأةُ عجوزا يظهرُ على وجهها كلّ علامات الزمن، كهيلاري كلنتون مثلا.

والسّبب الثّاني هو أنَّ الشعبَ الأمريكيّ ببنيته التّفكيرية لا يُفكر إلا بأنْ يحقق هدفين في حياته، وهما: المال والشّهرة، وفي هذا السّياق، أذكرُ أنني قرأتُ أنّ إحدى الجامعات الأمريكية العريقة، وهي جامعة "هارفرد" إنْ لم تخني الذّاكرة، قامت بتجربة فريدة من نوعها، وهي أنَّ إدارة الجامعة طلبتْ من مجموعةٍ منطلابها الخرِّيجين من كلا الجنسين أنْ يكتبَ كلُّ واحد منهم هدفَه الذي يطمح إلى تحقيقه، لِيعاد إليهم بعد فترة من الزمن للنظر في ما حققوه من أهداف؛ لأغراض البحث العلميّ، فكانت أهدافهم كلُّهم المالَ والشّهرةَ، وهو تفكير طبيعيّ ومنطقيّ لأجيالٍنشأتْ في بيئة رأسمالية ماديّة بحتة تنأى بالفرد عن الإنسانية والأخلاق بوصفهما قيما خالدة ثابتة، مجردتين من أي مصلحة أو منفعة مادية.

وبناء على هذا فإن ترمب يشكل نموذجا وقدوة يحتذى بها لكل أمريكي، ويمثل نمطاً حقيقيّاً أو "ماصدق" للتصور الذهني العميق للفرد الأمريكي، فالجماهير الأمريكية لا تعنيها السياسة لا من قريب ولا من بعيد، فالذي يعنيها هو كيف تصبح مثل ترمب ذا مال وثراء وشهرة.

وعليه، فإنَّ نجاح ترمب يُعدُّ أمرا حتميا وطبيعيا، فضلا عن أن أمريكا دولة مؤسسات وقوانين وأسس، فالقرار الأمريكي قرار جماعيّ تشاركيّ، يكون في العادة متفق عليه من جميع الأطراف والأحزاب والمنظمات المعنية بالتصويت لهذا القرار بالنّفي أو الإيجاب.

فإذا كانَ الأمرُ كذلك، فلماذا هذه الضّجة الإعلامية التي حيكت ضد ترمب؟ ولا شك، استنادا إلى ما سلف، أنها مقصودة ومصنوعة، وذلك لتحويل نجاح ترمب من حدث عادي يتكرر كل أربع سنوات إلى معرفة؛ الغاية منها، أنْ تُؤسِّس لِشرخ أيديولوجيٍّ جديدٍ، يفصلُ بين مرحلتين مختلفتين وهما "ما قبل ترمب" و "وما بعد ترمب" كما حدث مع الحادي عشر من أيلول.

وتحويل الحَدث إلى معرفةٍ يحتاجُ إلى إعادة برمجة ذهنية للجماهير، وذلك لِيسهلَ تبريرُ هذه الأحداث التي ستتحول بطبيعتها إلى معرفة يُنسجُ بها الشَّكل الجديد لبنية العقل الجمعي؛ أجلَ التحكم بالرأي العام العالمي، وتَغيير الكيان القائم بكليته في جميع المجالات المعرفية: السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة والسُّلوكية…، وذلك بالتعاطي مع قرارات ترمب باعتبارها أمرا متوقعا ومعروفا سلفا، وأنها كانت تشكِّل هاجسا مرعبا حُذِّر منه مرارا وتكرارا في الداخل الأمريكي وعلى مستوى العالم، في حال إذا ارتكب شيئا لا يتوافق مع ما تؤمن به الأمّة الأمريكية، متظاهرة، من المحبة والديمقراطية والسلام.

ومن ثم، فإنَّ هذا قد يُنذر بخطر كبير وعظيم، لا أعرف ما هو تحديدا، إلا أنَّه سيكون نموذجا-ربما- لما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وذلك باحتلال جديد وتدمير وقتل وتهجير وتشريد، إلى غير ذلك. فما بعد الحادي عشر من أيلول بُرِّر أمريكيا بالأمن القومي، وما بعد ترامب سيُبرَّر بشخص ترمب غريب الأطوار والمتطرف والهمجيّ.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.