شعار قسم مدونات

غريبٌ أنا يا صاحِبَيِ السجن!

blogs- المسلم

جوٌّ شتائيٌّ بارد، وحبَّاتُ مطرٍ تطرقُ نافذتي بلباقة، كوبٌ من الشايِ ساخنٌ يتصاعدُ منهُ البُخار، وكتابٌ مشوِّقٌ بين يديَّ أبحرُ بينَ كلماتِه، وأغوصُ في عِبَره ومعانيه، وعلى يميني دفترٌ وقلم، حيثُ أترجمُ ما تحدثني به نفسي من إلهامٍ وإيحاءاتٍ حروفًا وكلمات، وأمامي هاتفيَ الذكيُّ مِنْ حيثُ أُطلُّ على العالم وأعرفُ أخبارَه وأتابعُ مُفضَّلتي من الصفحات والكتابات الجميلة، وعلى طاولةٍ خشبيَّةٍ وفي غرفتيَ الصغيرةِ أو كما يطيبُ لأمِّي أن تُسمِّيها "السجن" تقعُ ممْلكتي حيثُ الأشياءُ والتفاصيلُ تترتبُ كما أشاء، ومن بينِ كلِّ هذه التفاصيلِ العشوائية أعلنُ ولائي لصاحِبَيِ السجنِ الكتابُ والقلَم، رغم كلِّ تقلباتِ الطقسِ والانقلابات والأَزَمات، ولهذا تَدْعُوني أمِّي أحيانًا بـِ "الغريب"، وكم يطيبُ لي هذا الوصف! نعم؛ غريبٌ أنا يا صاحِبَيِ السجن!

 

غريبٌ حينَ أحاورُكما تقُصَّانِ عليَّ القَصَصَ تَقرآن ليَ الواقع، تُحفزانِنِي لأُترجمَ ما تعلَّمتُ وما شعرتُ حرفًا وكلمة، وكأنّكما تريدانِ لهذهِ الغرابةِ أنْ تُورَّثَ في زمنٍ أصبحَ فيه الموروثُ ماديًّا بلا قيمة، سطْحيًّا بلا معنى، بل وربّما تقليدًا أعمى.

غريبٌ أنا ككلُّ غريبٍ لا يُشبِههُ أحَد، كصفحاتِ كتابي حين أقلِّبُها في كلٍّ منها درسٌ وعِبرة، وإذا أعدتُ قراءَتها أرى لها وجهًا جديدًا، وكأنَّها تُعيدُ تشكيلَ ملامِحها لتأسِرَني من جديد، غريبٌ كقلمي يعيشُ بين الإلهام والإيحاء، ينتقي حروفَهُ كما ينتقي القائدُ جنودَه لمعركته، يخطُّ ويمحو، مُتقلِّبٌ مِزاجِيٌّ ولكنْ في حدود الجمال والإبداع، غريبٌ كفصول السنة أتبدَّل، في كلٍّ منْها لوحةٌ وحِكاية، فضَّلَ اللهُ بعضَها على بعض، فاختلفَ الناسُ حولَها في مُيولِهِم وأذواقِهم، فمنهم مَنْ يعشقونَ شتاءَها الماطر، ومنهم مَنْ يُبهِجُهم لونُ ربيعِها الأخضر، ومنهم منْ يطمئنُّ لصيفها الدافئ، ومنهم مَنْ يستهويهِم حُزنُ أوراقِ خريفِها، فمهْما اختلفوا نالَها مِنْ كُلٍّ نَصيب.

 

غريبٌ أنا يا صاحِبَيِ السجنِ مُذْ عرفتُكما، في زمِنِ الأُمِّيةِ المُغلَّفةِ بوهْمِ التكنولوجيا والتطوُّر، غريبٌ حينَ صحِبتكُما ولمْ أعِشْ كما أرادتْ ليَ الآلةُ أنْ أكون، كما أرادتْ ليَ العادات والتقاليد، في ثوب النمطية والتعاليم الجاهزة، في القوالب المُعدَّة مُسبقًا لِتحْتَضِننا، غريبٌ حينَ أحاورُكما تقُصَّانِ عليَّ القَصَصَ تَقرآن ليَ الواقع، تُحفزانِنِي لأُترجمَ ما تعلَّمتُ وما شعرتُ حرفًا وكلمة، وكأنّكما تريدانِ لهذهِ الغرابةِ أنْ تُورَّثَ في زمنٍ أصبحَ فيه الموروثُ ماديًّا بلا قيمة، سطْحيًّا بلا معنى، بل وربّما تقليدًا أعمى، نعم؛ غريبٌ حينَ أحْكي مشاعري شِعْرًا، حِينَ أُنطِقُ وِجداني نثرًا، حينَ يقولُ حرفي: لا، حِينَ ينبِضُ قلبي قصيدةً، وتتحدثُ أنفاسي أملًا وحرّية، غريبٌ حِينَ أثو، حِينَ أنتمي لوطني ولأمّتي لِقضيتي وديني، حِينَ أحمِلُ ذلك الهمَّ على كتفي، آبهُ لأعبائه، حِينَ لا يشْغَلُني عنهُ أحلامُ الشباب بصاحِبةٍ وبيتٍ وعمَل، حينَ يسكُنُ في قلبي ويحيا.

 

يا صاحِبَيِ السجنِ قالوا لي بأنَّك غريبٌ حِينَ سُئلتُ عنْ ديني مرةً فقلتُ بأنَّني أسْلمتُ ولله الحمد، نعم؛ وُلدتُ مُسلمًا ولكنني أسْلمتُ مرةً أخرى حين قرأتُ القرآن وتعلَّمتُ فهْمَه، فأصبحتُ غريبًا بتدبري إيّاه، حِينَ لمْ يكْفِني حفظُه، حين أبصرتُ فيه واقعًا نعيشُه، حِينَ أسقطْتُه على حياتِنا لأعلمَ أين وصلنا، حينَ أصبَحَ به قلبي ليِّنًا مُشْفِقًا، يغارُ على أبناء أمَّتِه، على عِرضِ الحرائر، يذوبُ مِنْ كَمَدٍ لصرخات الأطفالِ وآهاتِ الثكالى، لقَهْرِ الرجال وعجْزِ الشيوخ، غريبٌ حِينَ تعلمتُ منهُ كيف أحبُّ لا أنْ أكْرَه، كيف أجعلُ في صدري مُتَّسعًا لمنْ يرغب، كيفُ أشاركُ أمَّتي همومَها، كيفَ أصْدَحُ بالحقِّ بلا ريْبٍ أو نفاق، كيفَ يكونُ الإنسانُ أخَ الإنسان، نعم؛ علَّمني كيفَ أصبحُ غريبًا.

 

إيه غُربةً وغرابةً في كَنِف الله، أستظلُّ برحمتِه ِونعيمِه بعفْوِه وجميلِ صَفحِه، إيه غُربةً وغرابةً في حضرةِ الهادي عليهِ أفضلُ الصلاة والتسليم، بِخُلقِه العظيم ودعوتِه الصادقة، بطمأنينةٍ بثَّها في صدورنا، إيه غُربةً وغرابةً في رحاب صحابةٍ كِرام، للحقِّ وهبوا أنفسَهم، إيه غُربةً وغرابةً مع كل حرٍّ صادق، معَ كلُّ إنْسانٍ بحقّ، معَ كلُّ غريب، نعم؛ هي غُربةُ المبادئ والأشخاص، هي غُربةٌ حيثُ النورُ، هي حيثُ حِينَ يُقالُ: "يا للغرابة!" تعني: يا للخُلُقِ يا للإنسانية! هي دعوةٌ للحقِّ ماضية: " فطوبى للغرباء!"

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.