شعار قسم مدونات

تعالوا أخبركم ماذا يفعل الناس في المراقص والملاهي

blogs - candle
هي السنة الثالثة التي أحتفل فيها برأس السنة في إسطنبول. أقمنا عشاء ساهراً مع مجموعة من الأصدقاء في المنزل، وأكلنا وشربنا ورقصنا.. و"فرحنا الدار" على ما قال صديق فلسطيني ساخراً من إصراري على الاحتفال في البيت في أول مناسبة تمر على سكننا فيه، قائلاً إنني في ذلك أشبه عجائز غزة الذين لا يحيون فرحاً إلا "في الدار".

كنت غادرت بيروت قبل أيام قليلة وتلقيت عدداً من الوعود بزيارتي في إسطنبول في 2017، لدرجة بدأت أنظم موعد الرحلات في رأسي بما يتناسب أيضاً مع الظروف الجوية وانقضاء أشهر البرد القارس. وفجأة وقعت المصيبة. مجزرة في ناد ليلي معروف جداً بين رواد إسطنبول من اللبنانيين. بدأت الرسائل تتوافد إلى هاتفي "انتم بخير؟ طمنونا". "انتبهوا.. لا تخرجوا كثيراً". "أهلي رفضوا سفري". "إسطنبول باتت أخطر من بيروت" وغيرها. احترت كيف أقول "نعم طبعاً، أتفهم. لكن لا، إسطنبول ليست أخطر من بيروت! ولا من أي مكان آخر. هي مدينة أخرى مستهدفة.. أزمة وتمر.

قبل أي تنديد بالمقتلة، ثمة من قرر محاسبة الضحايا على تصرفاتهم، وراح يلاحقهم في آخرتهم ليتأكد من وصولهم إلى النار وليس إلى الجنة.

كيف أستعيد عبارتي التي واجهت بها التفجيرات السابقة من أنني لست قادمة من جنيف، بل من بلد يشهد تفجيرات دورية، واغتيالات سياسية تودي بمدنيين أضعاف السياسيين.. ومعارك متفرقة هنا وهناك. لا وأكثر، هو بلد يصيب فيه الابتهاج الناس بمقتل، فتسجل وفيات مجانية برصاصه بين الحين والآخر. وإلى ذلك، أفكر كيف حولتني غربتي فجأة إلى مجرد "ابنة" بالنسبة لأهلي، أو "صديقة" بالنسبة لأصدقائي، ونزعت عني أدواري الأخرى وأولها أنني أيضاً صحافية، وهذا جزء من عملي الذي يفترض أنهم اعتادوا عليه لسنوات مضت.

لم أقو طبعاً على قول أي شيء، صمتت وأدركت أننا بالنتيجة محكومون بمصائر بلداننا، وأنها في لحظة ما، كل ما نملك.. بما في ذلك الضرر الذي يصيبنا منها وفيها. حتى ليصبح ذلك بعض من ضريبة انتمائنا إليها. أما البلدان الأخرى فيمكن تفادي مخاطرها، طالما امتلكنا ذلك الخيار. وعليه، بدأت أحذف من غالبية رسائل المعايدات التي أرسلتها "على أمل اللقاء في إسطنبول". وإن ألمحت إليها فبكثير من الاعتذار والتردد. فأنا لن أتحمل هذه المسؤولية. اكتفيت بإرسال التطمينات من قبيل: "بقينا في البيت"، "لا، المكان بعيد عنا"، "لا لم نعد نرتاد الأماكن السياحية وهذا النوع من الملاهي"، وكل ذلك، أو غالبيته، غير دقيق بطبيعة الحال.

المصيبة الكبرى الثانية وقعت حين تابعت ما زخرت به صفحات التواصل الاجتماعي من بعض الشماتة بالضحايا ووصفهم بنعوت صفيقة ثم الدخول في سجال إن كانوا "شهداء" أو لا. توقعت أن المسألة محدودة على بعض الصفحات اللبنانية، وافترضت في البداية أنها أعطيت أكثر من حجمها.. وإذا بها تفيض إلى جنسيات الضحايا العرب الآخرين. العرب دون سواهم، دخلوا مرة أخرى، في جدل حول جنس الملائكة قبل أي تنديد بالجريمة. العرب وحدهم اختلفوا إن كانت تلك جريمة أو لا، لأن المعيار الوحيد في ذلك أصبح هوية الضحية وسلوكها، وليس أيديولوجيا القاتل وسلوكه.

وهكذا، قبل أي تنديد بالمقتلة، ثمة من قرر محاسبة الضحايا على تصرفاتهم، وراح يلاحقهم في آخرتهم ليتأكد من وصولهم إلى النار وليس إلى الجنة. أما ذنبهم أنهم بحثوا عن بعض الفرح والمتعة بغير ما يشتهي حراس النوايا وخفافيش الظلام.

وأما السؤال الافتتاحي لذلك القبح كله فهو "وماذا كانوا يفعلون في المراقص والملاهي؟".
فعلا، ماذا كانوا يفعلون؟ ببساطة، كانوا يفعلون تماماً ما كنا نفعله في بيتنا آمنين في تلك الليلة. اجتمعوا على الاحتفال بالحياة وبالقادم من الأيام حين اجتمع كثيرون على القتل.

فهل كنا نحن أيضاً نستحق القتل؟ هل كنا نستحق أن يصوب أحدهم بندقيته علينا من مبنى مجاور ويردينا واحداً تلو الآخر؟ لا شك أن الاجابة في عرف كثيرين هي "نعم".. ومنها وحدها يجب الانطلاق في البحث عن هويات قاتلة كثيرة بين ظهرانينا.

فبعيداً من السياسة، والرسائل التي تحملها مجزرة من هذا النوع وهي لا شك كثيرة، خصوصاً لدى معرفة طبيعة المكان ومرتاديه واختلافه كهدف عن أهداف التفجيرات السابقة، وبعيداً من تحليلات منطقية باردة تنزع عن الحادثة أبعادها الأخرى، تلك الـ "نعم" وحدها ترسم حجم الهوة الفعلية بين البشر.. وما لم نملك شجاعة مواجهتها، سنبقى نقتنص الفرح متنظرين دورنا في طوابير الضحايا القادمين. 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.