عن رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمان

في الوقت الذي نكون فيه بأمسّ الحاجة إلى رسالة من أحدهم.. يُخبرنا فيها كم نحن مهمّون في حياته.. وأنّ يومه لا يساوي شيئاً من دوننا.. أو أنّنا محور الكون بالنسبة له. كانت غادة السّمان تنعم بالكثير من الرسائل.. يبعثُها لها غسّان كنفاني.. دونَ أن يكلّ أو يملّ برغم الصّدود الذي كانَ يتلقاه. كلّ حرف من هذه الرسائل، وكلّ كلمة كانتْ تُخفي وراءها عاشقاً متيّماً، لا سبيلَ له في الوصال، سوى قلمه و كتاباته ومشاعره المسّجاة على ورق.

كانَ يبدو غسّان كنفاني الطرفَ الأكثرَ حباً في علاقته بغادة السّمان، وكانتْ تبدو غادة نرجسيّة و باردة في التعامل معه، و كأنّها تتفاخر بأنّها أوقعتْ في شِباكها كاتباً كبيراً، و مناضلاً بحجم غسّان كنفاني؛ وإلاَّ لِمَ تجرؤ على نشر رسائله إليها بذريعة أنّها إرثٌ أدبيّ أو وثيقة يجب أن يخلّدها الأدب في سجلاته الكبيرة؟
 

المطلّع على كتاب : " رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمان"، يجدُ قلباً مكسوراً أرهقه الحبّ و أضناهُ الشّوق و الحنين و إنساناً ضعيفاً يستدعي النجدة قبلَ أن تحلّ به الكارثة، يقابلُه قلبٌ ازداد الصّقيعُ في داخله، حتى غدا يدعو إلى الاشمئزاز!

يعاتبها بحرقة:

يقولونَ أنّ علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وأنّني ساقطٌ في الخيبة، قيلَ إنّني سأتعبُ ذاتَ يوم من لعقِ حذائك البعيد. يُقال إنّك لا تكترثينَ بي، وأنّكِ حاولتِ أن تتخلّصي منّي، ولكنّني كنتُ مِلْحاحاً كالعَلَق! يشفقونَ عليّ أمامي، ويسخرونَ مني ورائي، ويقرأونَ لي كما يقرأونَ نماذجَ للشاعر المجنون

ما الذي حدث؟ تكتبينَ لكلّ الناس إلاّ لي! ولكن انتبهي جيّداً لما تفعلين، ذلك سيزيدني تعلّقاً بك. ويُكمل رسالته بإخبارها عن يومه، و كيفَ أنّه لم ينمْ ليلته السّابقة بسبب مرضه و شجاره مع أخيه، و الذي كانَ سببه الغير مباشر، إهمالها لرسائله و خوفه من أنّها اتّخذتْ غسّاناً آخرَ عوضا لها (بحسب تعبيره).
 
هل كانت غادة السّمان تستدرجُ غسّان ليكتبَ لها ؟ أمْ أنّها كانتْ ترغبُ في الحصولِ على مادةٍ دسمة، تقدمها للتاريخ فيما بعد، بغرض التّباهي لا غير؟ التّباهي بأنّها أطاحتْ بمناضلٍ قوميّ كبير! يهابُه الصهاينة لقّوته وصلابته، ولتكشفَ عن غسّان الشّاعر والأديب والإنسان، أمْ أنّها كانتْ تبادلُهُ الحبّ بالحبّ؟ إلاّ أنّ زواجه بأخرى وحياتَه العائليّة المستقرّة والخاصة، جَعَلاها تتجنّبُ الدخولُ معه في علاقةٍ جديّة لا أملَ منها.

فهي التي كتبتْ له يوماً:
"أيّها البعيدُ كذكرى طفولة، أيّها القريبُ كأنفاسي وأفكاري، أحبّك و أصرخُ بملءِ صوتي أحبّك. إلاّ أنّها تنفي علناً أن يكونَ غسّان حبيبها، وهذا ما يرجّح فرضيّة أنّه كانَ حباً من طرفٍ واحد. فهي التي قالت يوماً أنّ غسّان ليسَ " أحبَّ الرجالِ إلى قلبها، إلاّ أنّه أحدُ الأنقياء القلائل الذين عرفتهم". وهو بدورهِ عبّرَ ذاتَ يوم، عن وجعه من كلام الناس الذي يسمعه، والذي يدور في فلك أنّ علاقته بها ميؤوسٌ منها. 

يقول لها بقلبٍ مكسور: 
"غادة"
يقولونَ أنّ علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وأنّني ساقطٌ في الخيبة، قيلَ إنّني سأتعبُ ذاتَ يوم من لعقِ حذائك البعيد. يُقال إنّك لا تكترثينَ بي، وأنّكِ حاولتِ أن تتخلّصي منّي، ولكنّني كنتُ مِلْحاحاً كالعَلَق! يشفقونَ عليّ أمامي، ويسخرونَ مني ورائي، ويقرأونَ لي كما يقرأونَ نماذجَ للشاعر المجنون.

لن أستطيعَ أن أُحصي هنا كلّ رسائل غسّان المُوجعة، أو أنْ أوردها كاملة، فهي كثيرة و مليئة بالألم. ولا تكفي صفحات للكتابة عنها، بل أدعو الجميع إلى قراءتها. لمعرفتي أنَّ عدداً كبيراً من القرّاء لا يعلمونَ عن تلكَ الرسائلِ شيئاً. ولأنّني من عشّاق الرسائل الورقيّة التي أؤمنُ أنّ بين كلماتِ أصحابها، أرواحَهُم.

إذا كان الموساد قد استطاعَ أن ينالَ من جسد غسان، فقد استطاعت غادة أن تنالَ من قلبه و يموت مرتين! فالعاشق الذي يجيدُ الحب يقتلُه البرود وهو يدافعُ عن صورة الحبيب التي صنعها داخله.

وأنّ الفترة الزمنيّة بينَ كتابتهم لها، وبينَ وصولها إلينا تساوي عمراً من الانتظار و اللّهفة. أتحرّقُ شوقاً أن تخرُجَ علينا غادة لأسألها عن شعورها وهي تقرأ رسائل غسّان المكتوبةَ بخطّ يده! ينتابني الفضول في معرفة حالتها آنذاك. أكانتْ تقرأها بتأثر لما تحتويه من ألم يعتصرُ الفؤاد؟ أمْ أنّها كانتْ تضحك ساخرة لأنها جعلتْ منه عاشقاً ذليلاً أمامها؟ أمْ أنها كانتْ تشعرُ بالخيبة لأنها في كلّ مرة تكون عاجزة عن الرد، وبالتالي تهديهِ برداً أشدَّ من برد "لندن" الذي كانتْ تشتكي منه؟

أم أنّها كانتْ تضعها جانباً لتقرأها فيما بعد، وهي تحتسي فنجان قهوة، وكأنّها تقرأُ رسائلَ لشخصٍ لا يعنيها أمره أبداً! إذا كانتْ غادة قد أرادتْ من نشر رسائل غسّان لها التشهيرَ به، وإرضاء نرجسيّتها وغرورها، وتسليط الضوء عليها؟ فهي بذلك كشفتْ للكثير من القرّاء عن: غسّان كنفاني النبيل، غسّان كنفاني الإنسان، الذي و برغم البرود و القسوة التي كانتْ تعاملُه به؛ إلاّ أنّه دائماً ما كانَ يبرر لها ذلك بقوله: "إنّ شراستك كلّها إنّما هي لإخفاء قلبٍ هشّ". ثم يبدي خوفه من خسارتها مشبّهاً ضياعها من بين يديه كالكارثة "أنتِ في جلدي وأحسكِ مثلما أحسّ فلسطين! ضياعُها كارثة بلا أيّ بديل"

إذا كان الموساد قد استطاعَ أن ينالَ من جسد غسان، فقد استطاعت غادة أن تنالَ من قلبه و يموت مرتين! فالعاشق الذي يجيدُ الحب يقتلُه البرود وهو يدافعُ عن صورة الحبيب التي صنعها داخله، وكأنّما يقاتلُ بشراسة ليحافظَ عليها قبلَ أن تغدو أشلاء لجثةِ أصابها العَفن، ولا سبيلَ في تحويلها إلى رماد.



حول هذه القصة

أعلن المدعي العام لولاية واشنطن الأميركية بوب فيرغسون رفع دعوى قضائية على الرئيس دونالد ترمب على خلفية قرار اللجوء والهجرة، وتزامن ذلك مع احتجاجات من مسؤولين أميركيين وفعاليات شعبية.

31/1/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة