البيشمركة.. صياد الإرهاب

A Kurdish flag is seen next to Peshmerga fighters taking position with their weapons on the frontline against the Islamic State, on the outskirts of Mosul January 26, 2015. Kurdish Peshmerga fighters are digging trenches and building defense berms in Wadi al-Ghorab (Valley Of The Crows), less than 2 km away from the IS-held Sultan Abdullah village, which demarcates the new border of their autonomous region. The Kurds have enjoyed de facto self rule since the first Gulf War in 1991. They are now closer than ever to achieving their dream of full independence. Yet they are menaced by the deadly ambitions of the Islamic caliphate across the frontline. Picture taken January 26, 2015. REUTERS/Azad Lashkari (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST CONFLICT MILITARY POLITICS)
عندما ظهرت فلول القاعدة في افغانستان وانتشرت في كثير من دول العالم كتنظيمات سرية أو خلايا نائمة، ذاع صيت هذا التنظيم الإرهابي وأرعب الملايين من البشر، حينها لم تلتزم الولايات المتحدة الصمت حيال ما يحدث، بل واجهت مع حلفاءها القاعدة في كل أصقاع الأرض إلى أن دمرته عسكريا، حينها كتبت نهاية القاعدة وبقيت سطور من الحروف والكلمات تسرد تاريخها الإرهابي كي تقرأها الأجيال القادمة من البشرية.
 

اليوم تظهر داعش معلنة بداية فصل جديد من الإرهاب، ظهرت في الكثير من البلدان وقتلت الأبرياء وأحرقت البيوت واغتصبت الأجساد، وما زالت سيناريوهات داعش الإرهابية مستمرة في نهجها، فكل يوم نسمع عن حوادث غريبة الأطوار ما بين قتل ونهب وحرق واغتصاب وتهجير للعائلات وتفخيخ للمنازل والأجساد، وتعاطي حبوب الهلوسة والاتجار بالبشر وفتاوى ظلامية لا تمت للإسلام العظيم لا من بعيد ولا من قريب.
 

قوات البيشمركة تحمي وتدافع عن الأمة الكردية عبر حدودها التي تتعدى آلاف الكيلومترات ضد داعش، وهذا في حد ذاته معجزة عسكرية، لا يمكن لأي جيش كان في أي دولة القيام بهذه المهمة.

فالحرب ضد داعش تدور في العديد من الجبهات ما بين كوباني والأراضي السورية، وفي وسط العراق في الموصل وصولا إلى تكريت وصلاح الدين، وهنالك تنظيمات إرهابية في صحراء سيناء المصرية وفي ليبيا ودول إفريقية، حتى فرنسا لم تسلم من هجمات خلايا داعش الإرهابية، لكن تبقى حدود إقليم كردستان التي يبلغ طولها آلاف الكيلومترات الجبهة الأكثر سخونة بنيران الحرب، لأنها كبدت داعش خسائر كبيرة لا تعد ولا تحصى، من حيث عدد قتلى مقاتليها وقياداتها وتدمير ترسانتها العسكرية، التي سيطرت عليها بعد دخولها الموصل واستباحتها كافة أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة والمتوسطة، التي تركتها عدة فرق عسكرية للجيش العراقي وفرار قياداتها.
 

تبقى الجبهة الكردستانية البوابة الوحيدة التي جرت داعش أذيال الهزيمة والخيبة وراءها، وهي تحاول اقتحام أسوارها وحصونها، فلقد أثبتت قوات البيشمركة قوتها وجسارتها وحزمها للتصدي لعلوج داعش، فلا يمضي يوم دون أن تهاجم داعش محورا من محاور هذه الجبهة، لكنها تواجه بالمقابل ردا قاسيا يخلف الدمار العسكري والانهيار المعنوي في صفوف الدواعش.
 

فقوات البيشمركة أثبتت للعالم أجمع أنها قامت بعمل بطولي عظيم في الدفاع عن الوطن والأرض والشرف، فقوات البيشمركة تحمي وتدافع عن الأمة الكردية عبر حدودها التي تتعدى آلاف الكيلومترات ضد داعش، وهذا في حد ذاته معجزة عسكرية، لا يمكن لأي جيش كان في أي دولة القيام بهذه المهمة المقدسة، لأنها قبل كل شيء يجب أن تملك جيشا مؤمنا بقيمه الوطنية وتعاليمه الإنسانية ومبادئه القومية، فالبيشمركة قوة لا يمكن الاستهانة بقدراتها رغم قلة العتاد والأسلحة، لأنه جيش قام وولد وفق مسارات صحيحة، أولها الفداء للوطن وآخرها التضحية من أجل الأرض والشرف.
 

لذا فالبيشمركة مثال حي للجيش الوطني النموذجي، لأنه قام على أسس سليمة وصحيحة عسكريا وفكريا، فالمقاتل الكردي الواقف على خط النار لا ينتمي للعشيرة أو القرية أو المدينة أو الحي الذي ولد فيه وترعرع في أزقته بل ينتمي إلى الأمة الكردية، فهو منذ القدم وعبر كل الأزمات والثورات والمآسي التي تعرض لها لم ينحن للظالم والظلم، ولم تفتك به رصاصات وصواريخ البعث الفاسد، ولم تثن عقيدته الفدائية رائحة الموت المسكونة داخل القنابل الكيمياوية، بل كان المقاتل الكردي صامدا وما زال صامدا، وسيبقى صامدا مرتديا زي الفدائي في عقله وروحه وقلبه.
 

أحيانا أقف بصمت أمام صورة المقاتل الكردي، أبحث عن كلمات أحاول أن أصنع حروفا كي أستطيع وصف تاريخه المشرف، لا أعرف أختزل كل هذا في لحظة خالدة كي أستطيع كتابة سيرة حياته. تخونني الكلمات والحروف، فليس لي القدرة أن أصف عظمة المقاتل الكردي، ربما أكتب بعد مائة عام بضع سطور أسرد فيها مسيرته التاريخية، لأنني أصاب بنوبة حائرة تتوسطها الكثير من علامات الاستفهام. كيف يفكر البيشمركة؟ ومن أين له بهذه الإرادة القوية؟ وكيف يحول حبه للأرض والوطن والشرف إلى رصاصات على خط النار ضد الإرهاب.
 

الحرب مستمرة وداعش تواصل الانجرار وراء مخططاتها الإرهابية، لكنها خسرت الرهان أمام قوات البيشمركة منذ أن دقت ناقوس العداء والكراهية والحقد للشعب الكردي.

لا يمضي يوم دون أن أرى أحد البيشمركة أمامي، في الشارع، في السوق، في عملي الصباحي والمسائي، وكلما رأيته بزيه العسكري أرى في خطواته الصلابة والتحدي والغضب، حينها تخونني الكلمات كي ألقي قصيدة ثورية، أو حتى بضع سطور من إحدى مقالاتي التي أدعو فيها البشرية للدفاع عن ثورة وكرامة وعزة وشموخ الإنسان. أقف بصمت وأبتسم وأفرح وتتلألأ الدموع في عيني، أشعر حينها أنني ألمس الحرية في كف يدي، وأقول هذا هو هرقل كردستان، وصياد الإرهاب وحارس بوابة كردستان المقدسة.
 

فالبيشمركة بالنسبة للكردي ليست مجرد كلمة عابرة، ولا تمثل حزبا أو تيارا معينا ولا جيشا مغامرا يبحث عن البطولات فوق أجساد الفقراء والمتعبين والمرهقين، إنه يمثل قضية شعب بأكمله، أمة تجمع بين أضلعها كل الأعراق والأقوام والأديان، فالمقاتل الكردي بقدر ما يمتلكه من روح بسيطة وخفيفة الظل مليئة بالإنسانية والمحبة والسلام؛ فهو في ذات الوقت ينتظر موعده مع الوطن كي يلبي نداء الواجب دفاعا عن مكتسبات الأمة الكردية.
 

لذا فالحرب مستمرة وداعش تواصل الانجرار وراء مخططاتها الإرهابية، لكنها خسرت الرهان أمام قوات البيشمركة منذ أن دقت ناقوس العداء والكراهية والحقد للشعب الكردي. فليس لداعش وطن وأرض، وهم بعيدون كل البعد عن الشرف، ولا يملكون عقيدة ومبادئ قومية وقيم وطنية، لذا مصيرهم مثل من سبقهم القاعدة والبعث البائد. أما البيشمركة فهي تملك وطنا وأرضا، ولا ترضى بغير الشرف والشموخ والكرامة سبيلا ونهجا ومسارا وعقيدة ومبدأ، فهذا عهدها لكردستان والأمة الكردية.