شعار قسم مدونات

مُتكهرباتْ!

blogs - عمود كهرباء
لسنَ مريضات بزيادة الكهرباء في أجسادهن، ولا يعانين العلّة العضوية، هُن يعانين أضعاف ذلك، يشتكين العقل الذي لا يهدأ البتّة، يكابدن الشتاتَ في أمور دنياهن، يصارعن لياليهنَ ليستقيم نهارهن أو ليخففن من عناءهن المتلاصق بدقائق ساعاتهن، إنهن متكهربات في زمن اللاكهرباء!

نساءُ قطاع غزة، هن أفضل مثالٍ لهؤلاء المتكهربات، المضطربة فصول حياتهن، المتقلبّات بالليل، المنتظرات نهاراً، الممتلئات صبراً واحتساباً، اللواتي لا يعرفن للراحة سبيلاً، خلقن في أكوامٍ من المعاناة اليومية، وأجبرن على التأقلم في هذا الوحل الذي يقتل جميل أوقاتهن، ويسلب حقهن في كل شيء، فلا يدعهن إلا في كفاحٍ يُدَاومن عليه ليل نهار.

لقد مُنحنَ فرصة العيش في القرن الحادي والعشرين، ليشاهدن نظيراتهن المتربعات على عرش الراحة، المُلبيّات حاجتهن، الغارقات في نعيمهن، اللواتي لا يحلمنَ البتة، فطريقهن أقصر من أن يبذلن جهداً في الآمال، لتلتفت الغزّية من بعد ذلك إلى حياتها التي تُحرم فيها من أبسط الحقوق الآدمية بوجود كهرباء وتشتكي إلى الله!

أنتِ غزّية، إذن عليكِ أن تقاومي الليل حتى لا تغرقي في سكونه ودعته وراحته، أن تدعي حواسك السمعية والبصرية في هيئة الاستعداد طوال الوقت، حتى إن مرّ الضوء من أمام ناظريكِ تنهضي سريعاً وتبدئي صباحك مع ليل الآخرين.

يعني أنك ستضطرين لأن تشمري عن ساعديك، وتبتلّ أطرافك بالماء في ظل درجة الحرارة المنخفضة جداً، ستضعين الثياب المكّدسة، وستتقبلين هدير الغسالة بحفاوة، سيُجبر من حولك للرضوخ لضجيجها وإن حفرتْ خنادقاً في رؤوسهم عند النوم، ستتناوبين عليها بين الفينة والأخرى كي تُنقذي نفسك من ساعات الانتظار لليوم التالي.

نساء غزة لم تكن مشكلتهن هذه وليدة اليوم، هي مُتجذرة في تفاصيل حياتهن منذ عشر سنوات، حيث بدأ الحصار يشد أوتاده حول كل كائنٍ في قطاع غزة.

يعني أن تضعي لنفسك أقداماً من خشب، وأن تسابقي الزمن مع العجين، كي تصنعي منه خبزاً يسد ثغرة شراءه جاهزاً، فالجيوب منهكة جداً، أن تحتفي بانتصارٍ حال حالفك الحظ واجتزتِ ساعات حضور الكهرباء البهية قبل أن تهرب على عجل، ومن غير إذنٍ مسبق.

يعني أنّك ستجاهدين شكوى جسدك طويلاً، وأن تُلقميه مزيداً من الصبر والاحتمال، علَ فرجاً يحلّ عليكِ، أن تهدري ساعات الهدوء في بيتك في كوي ملابس أطفالك، أو زوجك،لأنكِ مكلفة بجمال هيئتهم طوعاً، وكذاك ستعتادين سماع ضجرهم الدائم لانطفاء التلفاز وشبكة الانترنت التي من الممكن أن يشغلوا أوقاتهم بها في ظل هذا الطقس البارد.

يعني أن تبقي متنبهةً كي لا يركض عداد الكهرباء من غير استفادة، فتُشعلين السّخان كي يحظى الجميع بحفنةٍ من الماء الدافئ صباحاً، أن تعتادي الإضاءة الخافتة في جميع أوقاتك بسبب المصابيح الباهتة "الليدات"، أن يُصبح أكبر همك شحن البطاريات ليتم أبنائك واجباتهم وتكاليفهم الدراسية وإلا سيشبع دماغك من الشكوى، أن تتقبلي صراخ صغيرك حينما يستيقظ فلا يجد نوراً يهتدي به إليكِ.

أن تُزامني استقبال ضيوفك وزياراتك حسب جداول الكهرباء، أن تحتاطي جيداً كي لا يُخطئ أحدهم حين استخدام ما يريد، فبدلاً من أن يأكل الدقة يتذوق الكمون، وبدلاً من أن يسكب السكر في الشاي يضع ملحاً.

لربما إن كنتِ ربة بيت فذاك ممكنٌ مضغه على مضض، وإن كنتِ عاملة فتلك المعاناة ستصبح جبالاً على قلبك، ستأكل من صحتك وتفكيرك وراحتك، فانتظارك سيطول أكثر، لأن عدد لقاءاتكما سيكون نادراً جداً، في مغادرتك تأتي الكهرباء وفي حلولك تنقطع وعلى هكذا المنوال ستعيشين ضغوطاً أكثر.

ذلك كله يعني أنكِ سترتبين حياتك وأولوياتك حسب جداول الكهرباء التي لا تصمد إلا بضع أيام، لتعاود التغيير من جديد، وعليكِ أن تقلبي أمور حياتك وتتأقلمي رغماً عن أنفك معها، يعني أنك ستصابين بأمراض عصبية واكتئابٍ وتوتر، خاصة حينما تتزامن مع أزمة الغاز وانخفاض درجات الحرارة وعدم توفير التدفئة المناسبة للأطفال، يعني أنّك ستقاومين نفسك كي لا يُقتل ما تبقى في قلبك من هدوء، أن تجاهدي لتري الحياة بمنظورٍ يعينك على الاستمرار فيها من غير همٍ يقضم استقرار قلبك وعقلك معاً.

نساء غزة لم تكن مشكلتهن هذه وليدة اليوم، هي مُتجذرة في تفاصيل حياتهن منذ عشر سنوات، حيث بدأ الحصار يشد أوتاده حول كل كائنٍ في قطاع غزة، لتتفاقم أزمة الكهرباء من بعد ذلك وتصل في كثيرٍ من الأحيان إلى معدل وصل من 3-4 ساعات يومياً مقابل 12 ساعة قطع، ولتبقى المرأة الغزية تجاهد في فلك الصبر والاحتمال حتى يُحدث الله من بعد ذلك أمراً، فإما أن يُسلط الرأفة على مُحاصريها أو يبعثَ في قلبهم السخط فيلعنوا صمودها!