"عُلماء السلطان".. حتى في الهندسة

blogs - city

من زار ألمانيا يعرف جيداً أن فصل النفايات ليس مُجرد ترف فكريّ، بل هو جُزء من سياسة صارمة، يُعاقب ويُعزّر من يترك العمل بها وكأنها فريضة من الفرائض التي يتقرّبون بها إلى "الكوكب"، وقد يبدو الأمر جميلاً يستحق المدح والثناء والسير على خُطى هذا البلد المتقدم، دُون تفكّر ولا تدبّر، فأي شيء أجمل من أن تأخذ النفايات وتصنع منها مواد خام جديدة؟ بيد أن الواقع ليس بالصورة التي يتوهمها الناس بسبب الإحصائيات والدراسات التي يقوم عليها "علماء السلطان" ممن يرغبون بالتقرب من الحكومة وسياساتها البيئية، وفوق هذا يُفاخرون بأن الألمان هُم الاوائل على العالم في فصل النفايات، حتى لو كانوا يُحمّلون هذا الشعب أكثر من طاقته أحياناً!   

 

في بداية حياتي في ألمانيا، عرفت أحد أتباع هؤلاء العلماء وكان مُتطرفاً بكُل ما تحمل الكلمة من معنى، وكانت المصيبة أنه صاحب المنزل الذي نستأجره كطلّاب، فكان يحرمنا من مُتعة الاستحمام بالماء الدافئ ويطلب نصف يورو مُقابل كُل 8 دقائق، كي نوفّر الماء والطاقة – كما يزعم – وكي يربح في الواقع، وقد عانيت معه كثيراً، حتى وجدته ذات يوم وقد قام بتفتيش حاوية القمامة الورقيّة فوجد مجموعة كبيرة من الأوراق بداخل "كيس بلاستيك" ووجد بداخلها ورقة مكتوبٌ عليها إسمي، فجُنّ جنونه وراح ووضع لي "الكيس" والمكتوب في صندوق البريد الخاص بي، وكتب عليه بالخط الأحمر: "الكيس لا يوضع في حاوية الورق!".

 

لم أستوعب الأمر ولم أفهمه حقاً حتى وقع بين يدي كتاب فريد غيّر الكثير في حياتي و"انبهاري  الأعمى" بألمانيا، كان اسمه "الهوس البيئي – Ökofimmel" للكاتب الألماني "اليكسندر نويباخر" وهو أشبه برحلة علميّة يخوضها الكاتب لفهم سرّ تشدد الألمان في البيئة حتى أصبحت عندهم ديناً بعد غياب المسيحيّة عن حياتهم، وتماماً كما يخوّف العُلماء العِباد من القيامة وأهوالها، يشرح الكاتب كيف أن بعض عُلماء البيئة يُمارسون الفن ذاته ولكنهم يدعّمونه بشكل علمي مُذهل، ويكفينا أن نعرف أن هؤلاء أقنعوا العالم منذ سبعينيات القرن الماضي بأن النفط سينضب عام 2020 في أحسن الأحوال إن لم ينضب عام 1990، أو حتى أن "الانفجار السكّاني" سيُدمّرنا إن لم ينهض العالم من جهله ويبدأ بتشجيع تقنيّات منع الحمل حتى صارت فكرة إنجاب الأطفال .. تبدو وكأنها دمار للبيئة!

 

قضيتي هنا هي التفكّر بعمق في العالم من حولنا، وكيف أن تمييز الحق من الباطل ليس سهلاً حتى في الهندسة، وبقدر ما في دراسات العُلماء من فوائد للبشريّة بقدر ما فيها خراب أحيانا

تمادى هؤلاء العُلماء كثيراً، وتمادى أتابعهم أكثر لأنهم يجهلون حقائق أخطر، فقبل قبل أيام كُنت في مُحاضرة لواحد من أفضل أساتذة جامعة آخن التقنية وهو بروفيسور مُتخصص في مُعالجة النفايات، الذي راح يؤكد أنه يحترم من يُحاولون الحفاظ على البيئة من جهة، وأن الإحصائيات التي تُنشر غالباً هي جيدة كي يُريح هؤلاء ضمائرهم، ولكن المُشكلة أن أكثر النفايات البلاستيكيّة التي يفصلونها مثلاً، لا تعود بلاستيك من جديد كما تقول "البروبغاندا Propaganda"، ولكنها تذهب إلى معامل خاصّة كي تُحرق وهو ما يُسمى "مُعالجة حرارية"، ولكن المصطلح الأكثر شيوعاً هو "استفادة Verwertung" كي تتم الخدعة.

 

صحيحٌ أن فكرة "الحرق" هي صديقة للبيئة وهي أفضل على كُل حال من العشوائية التي نراها في بلادنا، ولكن الأمر ليس وردياً كما يُروّج له فإن المعادن الثمينة التي كثيراً ما يتم الحديث عنها في التقارير لا تتعدى نسبة 10% في أفضل الأحوال، أما الرماد الذي يُقال أنه يستخدم في بناء الشوارع مثلاً فإن أكثره لا يستخدم ويُطمر لخطورته للأسف. وعموماً ورغم فإن المصلحة العامة لا تقتضي بأن تعرف الجماهير بأن الكثير من النفايات التي يفصلونها بهوس، يُمكن أن تحرق مع الورق وغيره من "النفايات ذات القيمة الحرارية الممتازة" في مكان واحد، كما أن أكثرهم لا يعلمون أن حوالي 60% منها لن يعود إلا مُجرد رماد!  

 

المال يُحرّك الكثير في حياتنا، ويحرّك الكثير من السياسات وحتى "اهل العلم" ممن قد يُضللون أمم كثيرة خلفهم لتطبيق هذه السياسات، ولا يجب أن نستغرب حين نجد كاتبة ألمانيّة تقول: "إن روحي تتألم إذا ما ألقيت النفايات في غير مكانها الصحيح"، كما لا يجب أن نستغرب حين نُشاهد برامج مثل "خواطر" تمدح هذه الأنظمة وتمجدها وتدعو لنقلها إلى العالم العربي، فالأمر فيه إحصائيات وأبحاث علميّة وتقارير صحفيّة لا تُحصى من كثرها وهي بعيدة عن الواقع، ومُنذ فترة قصيرة فقط رأيت أحد كبار المدونين العرب يمدح ألمانيا لاعتمادها الكامل على الطاقة المتجددة واستشهد بمصادر "موثوقة"، وهو أمرٌ مُخالفٌ للواقع تماماً، فرغم كُل التقدم الحاصل فإن المانيا لا تزال تحلم بأن تصبح 80% من الكهرباء التي ستنتجها عام 2050 من مصادر طاقة متجددة، عام 2050!

 

لست أكتب لانتقص من قصّة فصل النفايات أو حتى إعادة تدويرها فهذه ضرورة لا بدُ منها، ولكن قضيتي هنا هي التفكّر بعمق في العالم من حولنا، وكيف أن تمييز الحق من الباطل ليس سهلاً حتى في الهندسة، وبقدر ما في دراسات العُلماء من فوائد للبشريّة بقدر ما فيها خراب أحياناً، والأنكى من كُل هذا أنه ليس من السهل في عالم سريع التحوّل كعالمنا أن تقنع الناس بسهولة أن "العُلماء" كانوا على خطأ، ولهذا هناك أخطاء لا يُمكن التراجع عنها ببساطة!

 

ولنتخيّل فقط، كيف سيكون شعور العجوز الألماني الذي "شرشحني" بسبب وضع كيس البلاستيك في حاوية الورق – سهواً – وربما "بَهدل" غيري على هذا وشنّع، لو قيل له يوماً، أن النظام لم يكن مُجدياً ولا حاجة له بفصل الاثنين لأن كلاهما سيُحرق معاً (مثلاً)!

وما أشبه هؤلاء كلهم.. بعلماء السلاطين عندنا! 



حول هذه القصة

U.S. Senate Minority Leader Chuck Schumer (D-NY) speaks with reporters after the weekly Senate Democratic caucus luncheon at the U.S. Capitol on Washington, U.S. January 4, 2017. REUTERS/Jonathan Ernst

قال زعيم الأقلية الديمقراطية في الكونغرس الأميركي تشاك شومر إنه سيقدم مشروع قرار لإبطال أمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترمب مؤخرا، يمنع مواطني سبع دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة.

Published On 30/1/2017
30/ 1/2017- مقتل خمسة أشخاص في إطلاق نار على مسجد في مدينة كيبيك الكندية

قتل خمسة أشخاص وجرح آخرون عندما أطلق مسلحون النار مساء الأحد على مسلمين كانوا يؤدون صلاة العشاء في مسجد داخل المركز الثقافي الإسلامي بمدينة كيبيك الكندية.

Published On 30/1/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة