شعار قسم مدونات

لا تلفظ الكلمة الأخيرة

blogs - أمل

في قديم الزمان، ولمّا خرجوا في رحلة السَّفر الطَّويلة وكانت لهم خطةٌ للسير وبوصلة، تساءلوا عن قمرِهم في السَّماء متى يظهر؟ لم يكن باستطاعتهم تكملة المسير أو تحديد الوجهة في الصَّحراء ليلاً دون الاسترشاد به، فالقمر موضِّحٌ لمَعالم الطّريق وأنيسٌ في الوحشة. وأما المسافرون، فكانوا يخشون الضياع والتيهَ ليلاً في الصحراء الواسعة دون رفقة القمر لهم، فوجدوا أنفسهم جالسين لأيامٍ ينتظرون عودته؛ للاستدلال به وتلمُّس الطريق فيه.

 

وبينما كانت هي تقول لولدها الذي أخذ يغفو بِضعاً من الوقت: احمل الحقيبة يا بنيّ فقد طلع القمر، عزموا على الاستمرار في السَّير نحو وجهتهم وقد بدت عليهم ملامح الطَّمأنينة. أطوار القمر المتقلّبة ما بين المحاقِ والهلالِ والبَدر، ألم تُثر في نفسك أو تلهمكَ لصورةٍ فنيّة؟ كأطوارنا مثلاً؟ بالنسبة لي، لطالما كنت أحترم الحزن والفرح بأطوارهِم المتعاقبة المختلفة.

الحُزن لا ينجلي إلا إذا أخذ كامل مستحقاته من الغياب والدموع وربما "العزلة"، ليتجلّى بعده الفرح كالغيمةِ لحظةَ أن تبددّها الرّيح، كالقمرِ في طور بدر التمّام. هذه هي الحياة، معادلة متكافئة الطرفين دون مزايدة طرفٍ على آخر.. الحزن والفرح فيها كنصفيّ التفاحة، بنفس الحصّة.

 

والقمر في حضرة الغياب، أثناء الطّور "المحاق" لا يغلق الأبواب على منتظريه، فكأنّه يقول لهم: عودتي قريبة فأنا في طريقي لطور البدر، أحضروا أمتعتكم ودعوا اللَّيلكَ يتدفّق في صدوركم، سنكمل الطريق سوياً. القمر وحكاياته، ألم تُثر شيئاً ما آخر في مخيّلتك؟ كأن تكون أنت القمر مثلاً؟ نعم! أنت القمر، وأنتِ القمر، أجل! "جد الشخص الذي سيكون مرآتك، قد يكون ذلك الشخص حبيباً أو صديقاً أو معلماً روحياً وقد يكون طفلاً يجب إحاطته بالحب والرعاية" جلال الدين الروميّ.

 

لا تلفظ الكلمة الأخيرة، لا تقلْ الكلمة التي في آخر الطريق، قد يسمعها أحدٌ في أوَّل الطريق ولا يعود يمشي. وإذ تطوي الطريق وتضعها في جيبك، تيقَّنْ أنْ لا أحد ماشٍ عليها. هكذا يخفُّ حمْلك، وهكذا لا تزعج الماشين

هل سبق يوماً أن قال لكَ أحدهم "وجودك بحياتي يؤنسني"؟ أو "أنا منك بتعلّم"؟ الطفل الذي تهتمّ به وتعتني فيه، هل سبق وأن قال لكَ ذات مرَّة "لمّا أكبر بدي صير مثلك"؟ احفر في ذهنك، ماذا ترى؟ احفر أيضاً، ماذا ترى؟ هل عثرت على آخر مرّة أشعرك فيها أحدهم بأنّك تُلهمه سلباً أو إيجاباً؟ هل تذكرته؟ نعم! هذا الشخص الذي في بالك الآن هو مرآتك، أنت تقف أمامها وترى نفسك فيها، تفاصيلك النفسيّة تظهر عليها، ملامح وجهك التي قد تبدو يائسة أو سعيدة.

 

سمعت أحد الأصدقاء يقول ذات مرَّة: إن التأثير يكون من البؤرة الى المحيط أو العكس. وعليه، وبقياس أنك أنت البؤرة، فإنك في الحالة الأولى تكون المؤثِّر، بينما تكون في الحالة الثانية المؤثَّر عليه، سلباً أو إيجاباً. "قال: أنا بأعضاءٍ متناثرة في كلِّ مكان كي تكون كلُّ الأمكنة مكاني. إن نادى أحدٌ أحداً، أينما كان، أليس عليَّ أنا أيضاً أن أجيب؟ وإن بكى كائنٌ في أي مكان ألا يجب أن يكون مني شيءٌ هناك كي أحنو عليه؟" وديع سعادة.

 

أنت تدخل المنزل للتوّ، فتأتي والدتك وهي ليست على ما يرام تريد إخبارك عن مشكلتها، تجدك مشغولاً على هاتفك الجوال، غير مصغٍ لها. الغصّة التي كانت بداخل والدتك لمَّا شعرت أنّك لم تسهم في مساعدتها حتّى لو بالإصغاء لها، كان سببها تأثيرك السّلبي فيها، مع أنَّ الموضوع لم يكن يتطلّب أكثر من مساحةٍ إيجابية وربما القليل من الانتباه. صديقك الذي لم تره منذ فترةٍ طويلة، يرسل لك رسالة قصيرة يعبّر لك عن مدى اشتياقه وحاجته لتوجيهاتك الإيجابية التي كانت تساعده في اتخاذ قراراته، تشعر بالتقصير ثمَّ تبدأ بمعاتبة نفسك على طول الفترة التي قضيتها في طور المحاق، في حضرة الغياب.

 

في تلك اللحظة، كان من الواجب عليك أن تبدأ بإعادة تجديد نفسك للعودة الى طور البدر. أنتَ البوصلة التي يسير بها أحدٌ من العالمين، إما باتجاه القمم أو نحو الهاوية، ولا يجب عليك أن تقلل من شأن ذلك. كلمتك تقلب الموازين يا صديق ويمكنها أن تجعل من شخصٍ ما مبدعاً، أو تصدِّر منه مجرماً، أنت ذاتٌ مؤثرة على هذا العالم تصطخب فيها كلّ قوى الكون.

هدفي من تدوين اليوم، هو دعوة لأن نجعل من ذواتنا دوراً في تقدم الإنسانية.

 

لا تقل: لا تدرس، لا يوجد وظائف.

لا تقل: لا تتعب نفسك على هذا البحث، الدعم غير موجود في بلادنا العربية.

لا تقل: هذا المرض مزمن، ليس له علاج.

لا تقل: لا تطبخي، ستحرقين الطبخة.

لا تقل: لا تتجمَّلي، فأنتِ بشعة.

لا تقل: انتهى العام، العمر ينتهي.

 

مسيرة العطاء تبدأ من أنَّ حياتنا ليست لنا، بمقدار ما أنَّها لمن يحتاجنا ممن حَولنا. فالدمعة لنا.. والبسمة لمن حولنا.
 

"لا تلفظ الكلمة الأخيرة، لا تقلْ الكلمة التي في آخر الطريق، قد يسمعها أحدٌ في أوَّل الطريق ولا يعود يمشي. وإذ تطوي الطريق وتضعها في جيبك، تيقَّنْ أنْ لا أحد ماشٍ عليها. هكذا يخفُّ حمْلك، وهكذا لا تزعج الماشين" وديع سعادة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.