كفى عبثًا في الثورة: صيحة تائهةٌ.. أم وقفة مراجعة؟

blogs- حلب
بعد هزيمة حلب الأخيرة طفت إلى سطح الأحداث بين ناشطي الثورة السورية ظاهرة الدعوة إلى ضرورة تفعيل عملية المراجعات ودراسة أسباب الإخفاق التي أوصلت الثورة السورية إلى حالة التردّي والضعف التي آلت إليه حالها، والتي كان من أخطر نتائجها هزيمة حلب الأخيرة.. وكالمعتاد لا يمكن أن يمرّ أي حديث عن المراجعات -ولو كانت عفوية- من دون ذكر ما يقرّ به جميع السوريين من أنّ حالة الفرقة والنزاع والصراع الفصائلي تقف في قمّة الأسباب، إن لم تكن أولها، ويكثر الحديث في مثل هذه الحالة عن ضرورة التوحد بين الفصائل، وتكثر المبادرات والمحاولات في هذا الاتجاه..

 

إنّ ظاهرة صراع الفتاوى الفصائلية الهزلية والعبثية من أسوء الظواهر التي تخيّم على المشهد الإسلامي في الساحة السورية اليوم، وهي تثير في النفس مشاعرَ الاشمئزاز والاحباط ممّا وصلت به حالة الاستهتار والاستخفاف بالوحى ودم الإنسان.

وقد بات معروفً ما للعامل الديني من تأثير في الضغط باتجاه ضرورة الوحدة وأنّها واجب شرعي أيضًا، ونسمع دومًا فتوى من هنا وهناك تشير إلى أهمية التوحد بين الفصائل، ولكن ما حدث هذه المرّة يختلف عن سابقيه، حيث إننا نشهد صدور فتاوى متناقضة ومتصارعة خلفها أجندات سياسية دولية خطيرة، وهذا بدوره أبرز ظاهرة إلى السطح يمكنني تسميتها ب "ظاهرة الفتاوى العبثية" حيث انعكس الصراع الفصائلي بآثاره على صراعات في الفتاوى المتناقضة فيما بينها، ممّا أعطى صورة سلبية جدًا، وظهرت الفتوى كإحدى أدوات الصراع والنزاع السياسي التي يستخدمها كلّ طرف ضدّ الآخر..

 

إنّ ظاهرة صراع الفتاوى الفصائلية الهزلية والعبثية من أسوء الظواهر التي تخيّم على المشهد الإسلامي في الساحة السورية اليوم، وهي تثير في النفس مشاعرَ الاشمئزاز والاحباط ممّا وصلت به حالة الاستهتار والاستخفاف ببعض أهم مقدسات الإسلام، وربّما أهم مقدسين (الوحي ودم الإنسان)، عدا عمّا تقدمّه من صورٍ سيّئة ومسيئةً للإسلام وللشريعة..

 

لقد امتدت آثار تلك الظاهرة إلى الناشطين، وأطلقت هاشتاغات متعددة، وكلّ منها يروّج لمشروعه ويسوق لبضاعته، وقد كان من نتائج هذا العبث في الفتاوى وغيره بروز ظاهرة جديدة يمكنني تسميتها بـ "ظاهرة اكتشاف العبثيات"، وهذه بدوره يؤدي إلى القول: ما دمنا نتكلم الآن عن عبث وعابثين، فهذا اعتراف في أن الكثير من العبث كان يحكم المرحلة الماضية. حال معظم السوريين يقول اليوم: لقد كانت العبثية مضمون المرحلة الماضية، ولكن كان هناك الكثير من الشماعات التي نعلّق عليها عبثنا، وأما اليوم وفي سياق ظاهرة المراجعات ندخل كسوريين مرحلة جديدة هي مرحلة اكتشاف العبثيات، وربّما تصبح كظاهرة عنوانًا للمرحلة الحالية..

 

ما نشهده اليوم من ظاهرة اكتشاف العبثيات والترويج لها بهاشتاغات تحمل مسميات عدّة، مراجعات أو كفى عبثًا أو غيره من المضحك المبكي، ولكن لا بدّ من دراسة هذه الظاهرة وفهمها ودراسة أسبابها ومآلاتها، وفيما لو كانت مؤشرًا على حالة من اليقظة والصحو، أو غير ذلك.. كسوري مهتم ومشارك ومراقب أرى أن "ظاهرة اكتشاف العبثيات" بدأت تشير إلى عبث بعض العسكريين أوالشرعيين ومنهم المشهورين، ولكنها ستنتشر في قادم الأيام لتشمل جميع الميادين السياسة والعسكرية والإعلامية والدينية والاجتماعية والمدينة وغيرها، وستطال معظم الشخصيات المشهورة، وربّما لن تستثني حتى الأموات منهم، وسيرتفع معها مستوى المزايدات مع احتدام حدّة الصراع والنزاع.

 

أتخيّل من الآن كم سنشهد في قادم الأيام ممّن يطالب غيره اليوم بأنْ كفى عبثًا، من سيطالبه غدًا بأن كفى أنت عبثًا. وأخشى ما أخشاه أن نعلق في صيرورة عبثيّة جديدة يطرب ويفرح لها العدو، ويهرب منها الصديق، وتضيع معها القضية لا قدّر الله.. إنّ دعوات المراجعات وظاهرة اكتشاف العبثيات كأي ظاهرة أو حالة لها احتمالين:

– إمّا أن تكون وقفة مراجعة صادقة للتشخيص والتقييم وتصحيح المسار، وبهذا تكون مفيدة وبناءة،

– أو أن تكون امتدادًا لحالاتنا المرضية، وتطورًا طبيعيًا عنها، وبهذا تكون ضارة وكارثية.

 

إن الثورة السورية انطلقت حاملة طهر وبراءة الأطفال الذين كانوا شرارتها الأولى، ولكنّها حملت بعد انطلاقتها وخلال سنوات مسيرتها الست الماضية الكثير من الزبد الرابي.

إنّ "ظاهرة اكتشاف العبثيات" محطّة مهمة وضرورية لو تمّ استثمارها وترشيدها لممارسة نوع من تقييم المرحلة الماضية واستنتاج الدروس والعبر التي تصلح ما فسد ممّا يمكن تداركه وإصلاحه، وتصحح المسار، وتوقف حالة التردي والانحدار الحاصلة، ويمكن بناء عليه التأسيس لتكون حالة صحيّة دائمة ومرافقة لجميع المراحل القادمة. وأمّا لو كانت -ظاهرة اكتشاف العبثيات- مثل غيرها من الظواهر السابقة -نسمع جعجعة ولا نرى طحنًا- امتدادًا لحالاتنا المرضية، أو تطورًا عن أمراضنا السابقة لما هو أسوأ-لا قدّر الله- فلن تزيدنا هذه الظاهرة إلّا المزيد من التفرق والصراع واشتداد النزاع، ومن ثم الوصول إلى النتيجة الحتمية وهي الموت والفناء..

 

إن الحالة التي نعيشها اليوم كسوريين أفقدتنا القدرة على تكوين كيانات مؤسساتية تكون قادرة على الاطلاع بهكذا مهمّات جسام والتصدّي لها، ولذلك هذا يستجوب أن تتحول المسؤولية إلى مسؤولية مجتمعية، بحيث يكون الكل مسؤول، ولربمّا تحفّز هذه المسؤولية إلى اكتشاف قادات اجتماعيين مخلصين وراشدين أو من يتولى اكتشافهم وتأهيلهم، يكونوا لهم دور كبير في توجيه الدفة فيما يكون فيه النفع والخير للأمة، وإلّا فستكون حالنا يشبه ما ورد في قصّة "من سرق المصحف" المروية عن مالك بن دينار، حيث يُروى أنّه جلس يذكّر الناس وبجانبه مصحف، فخرج لقضاء حاجة ولما عاد تفقد مصحفه فلم يجده، ورأى الناس يبكون تأثرًا بالموعظة، فبدأ يتحدث عن فساد الزمان وأخلاق أهله وكيف أن السرقة من المحرمات وكلما عاد وزاد اشتد البكاء وعلت أصواتهم بالنحيب، فتأمل في وجوه المتباكين.. وقال كلمته المشهورة: كلكم يبكي.. فمن سرق المصحف؟!

 

ما خلا الأطفال دون سنّ التكليف في بلدي، أعتقد كسوري أنّ الجميع مارس العبثية بشكل أو بآخر، وأصدق أحوالنا مع أنفسنا إن حدثت يجب أنّ تدفعنا بجرأة لأن نعترف أنّنا جزء من الظاهرة، وأنّنا نتحملّ جزءًا من المسؤولية.. أتساءل متخيّلًا، ماذا لو حفّزت ظاهرة اكتشاف العبثيات كل واحدٍ منّا -في لحظة صدق مع نفسه- لمراجعة ما مضى من أحداث ومشاهد وصور ممّا عاشه أو شارك به أو شهده أو سمعه.. فماذا تراه قائلًا؟

 

إن الثورة السورية انطلقت حاملة طهر وبراءة الأطفال الذين كانوا شرارتها الأولى، ولكنّها حملت بعد انطلاقتها وخلال سنوات مسيرتها الست الماضية الكثير من الزبد الرابي، وكأني بها اليوم تقف في محطّة للمعالجة للتصفية والفلترة والتمييز، إنني أرى في قوله تعالى في سورة الرعد: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ…) (17) مثالًا رائعًا وصورة حسية مقاربة جدًا لوصف حالة الثورة السورية وتطوراتها.

 

ويبقى مصير الثورة ومستقبلها وفق هذه الصورة رهنٌ بما تحمله الثورة وأبناؤها ممّا ينفع الناس، وهذا ما ستنجلي عنه الأيام القادمة طالت أم قصرت، فلن يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس، وهذا يبدأ من وجهة نظري بأن نطلق هاشتاغ الأول: كفانا عبثًا إنّ أصدق نداء يمكن أن يحمله هاشتاغ اليوم هو: كفانا عبثًا، وإنّ أصدق هاشتاغ علينا جميعًا كسوريين أن نشارك في ترويجه والاستجابة الجماعية الواعية له هو: كفانا عبثًا.