أن تحب فلسطينية

blogs- المرأة الفلسطينية

واحدة من أروع لحظات الحياة هي تلك اللحظة التي تحتضن فيها مولودك الجديد، ذلك الحضن الذي يجعلك تطير في عوالم من السعادة غير العالم الذي كنت فيها قبل هذه اللحظة التي يعرف قيمتها جيدا كل من ذاقها، ويعرف أيضا معنى أن يُحرم منها كل من ولد ابنه وهو بعيد عنه..
 

وفي فلسطين يبدو الأمر متكررا حيث المعابر التي أعلنت كفرها بالحب وتمارس طقوس كفرها اللعينة بإعلان حالة إغلاقها في وجه حالات لمّ الشمل أو سفر الأقارب أي كان السبب، وكان صاحب هذه السطور أحدهم، حيث كانت المعابر شديدة الوقاحة بكفرها، خاصة بعد ميلاد ابني الثاني "باهي" الذي ولد في غزة قبل 4 أشهر ولم أره بعد وما زلت إلى الآن في انتظاره بالقاهرة.
 

أن تحب فلسطينية يعني أن يدمن جيرانك استنشاق ما لا خطر على قلوبهم من روائح المسخن والمقلوبة والمجدرة والمكدوس صباح مساء.

اليوم الأول لولادة باهي: لا نوم طوال الليلة إلى أن جاء صوت حماتي -حفظها الله- من غزة عبر الهاتف لتزف البشرى إلى القاهرة بقدوم فلسطيني مصري جديد، باهي، اسمع يا بابا صوت ابنك.
الشهر الثاني: "الولد تعبان ادع لنا"
– بيعين الله.
الشهر الثالث: "مفيش أخبار عن المعبر؟" 
-لا، بعين الله.
الشهر الرابع: "المعبر فتح لكن رقمنا لسه بدري عليه جدا، يمكن بقي ثلاث فتحات عشان نعرف نعدي.
– بيعين الله.
 

صحيح أن هذا الألم ليس قليلا، لكن يبقى مجرد ضريبة لحبك الفلسطيني، هذا الحب الذي يحول الحياة إلى جنة حقيقية لها عبق القدس وعطر أقصاها، وقوة المقاومة وبقائها، وكرامة الشهادة وعزها، وعراقة الجليل وجمال يافا وعكا، ولطف الخليل ومزاحها، ونضال غزة وشموخها، بالإضافة إلى ضريبة كل ذلك.
 

أن تحب فلسطينية يعني أن تتحول أسماء المجاهدين والشهداء إلى أيقونات في حياتك كماهم في حاسبوك، وتحول أيام العام إلى مواسم انطلاق حركات نضالية أو ذكرى ميلاد أو استشهاد أحد القادة أو موافقة انتصارات في تاريخ القضية.
 

أن تحب فلسطينية يعني أن يتحول بيتك الصغير إلى وطن برحابة فلسطين المباركة حيث أناشديها وعاداتها وقضيتها ونكاتها، وتتعود أن تصبح على صوت موطني.

أن تحب فلسطينية يعني أن يدمن جيرانك استنشاق ما لا خطر على قلوبهم من روائح المسخن والمقلوبة والمجدرة والمكدوس صباح مساء، وتنتظر عائلتك أن تتذوق الكنافة النابلسية في المناسبات، وتتعود أنت على ألا تشرب الشاي إلا بالميرامية الفلسطينية الرائعة التي تحول ليالي الشتاء إلى صيفية.
 

أن تحب فلسطينية يعني أن يتحول بيتك الصغير إلى وطن برحابة فلسطين المباركة حيث أناشديها وعاداتها وقضيتها ونكاتها، وتتعود أن تصبح على صوت موطني ويتعلق حماسك بأصوات فريق الوعد والخالدين وجيل العودة، وتفطر الجبن والزعتر وأنت تتابع قنوات الأقصى وفلسطين اليوم، وتستمتع بقهوتك على صوت محمود درويش على قناة الكوفية، ويصبح اهتمامك بالأحداث في غزة والخليل والقدس والضفة لا يقل عن اهتمامك بالأحداث في القاهرة أو اللاأحداث في المنوفية، وتتحول فلسطين إلى وطن يسكن قلبك مع حبيبتك، تسر لما يسر فلسطين وتهتم لما يصيب فلسطين إلى أن تتحول أنت فلسطين سواء قصدت ذلك أم لم تقصد.
 

أن تحب فلسطينية يعني أنك وقعت في نوع خاص من الحب الفريد الذي قد ارتضيت فيه، أن تكون وطنا لقلب اختار اغترابه وأعلن أنه سيستوطن قلبك أنت، وعليك أن تتحمل المسؤولية ألا تُغرب قلبا رآك وطنا، إنه الاحتلال الحلو الذي لا انتفاضة عليه ولا ثورة.