لكي لا ننتحر اقتصادياً..

blogs - money
إن التحرير المطلق للسوق، في أي بلد فقير، يتلمس خطى النمو، في ظل اقتصاد عالمي متوحش، إنما هو نوع من الانتحار الاقتصادي، وتسليم مصير شعب ذلك البلد لأيدي مصاصي الدماء، والمرابين المحليين والعالميين.

مما لا شك فيه، أن النهضة والتطور والحضارة التي انتظمت كل الدول المتقدمة، قامت على الصناعة، ومما لا شك فيه أيضاً، أن أي تقدم ونهوض في عالمنا الحالي، وبتقاطعاته المعلومة، لا بد أن يرتكز في المقام الأول على منظومة قوية من االصناعات المتنوعة والمدروسة، من واقع إسهامها في دفع وتقوية الاقتصاد الوطني، ومن واقع توفيرها للعملات الأجنبية، وانعكاسها على سد ضروريات الدولة والمواطن على حدٍ سواء.

إلا أن ما يؤسف له، غياب السياسات التي تصب في اتجاه حماية ودعم الصناعة المحلية من ناحية، وعدم تنفيذ سياسات موضوعة أصلاً من ناحية ثانية، لتكون الحصيلة النهائية اختلال الميزان التجاري للدولة، و تغول الاستيراد وإضعاف الإنتاج المحلي، وبالتالي زيادة معاناة المواطن، والتضييق عليه في معاشه وصحته وحياته اليومية بصورة وحشية، تتزايد يوماً بعد يوم.
 
إن إيلاء الصناعة المحلية الاهتمام اللائق، يصبح فرض عين على كل من له يد في الدفع بهذا الأمر، بدءاً من القيادة السياسية، مروراً بالمسؤولين عن ملفات الدواء والصحة، والمجلس القومي للصيدلة والسموم، والمستثمرين الوطنيين من صيادلة وغير صيادلة.

عند حديثنا عن صناعة الدواء في السودان، كنموذج للصناعة المحلية، نجدها تعاني من السلبيات التي تحيط بكل أنواع الصناعات الأخرى في السودان، ببعدها كل البعد عن تلبية الحاجة الفعلية لسوق العمل، ومتطلبات المواطن العلاجية، وانحصارها في تصنيع أصناف محددة من الأدوية، والتنافس السلبي بين كل المصانع الموجودة، بالدوران في حلقة تصنيع هذه الأصناف، التي لا تفي بربع الوفرة الكلية اللازمة لضمان التداوي والعلاج.

يكفي للتدليل على ذلك أن عقاراً واحداً مثل (سبروفلوكساسين Ciprofloxacin) يستورد السودان 20 اسماً تجارياً منه، في حين يتم تصنيعه في السودان بواسطة أكثر من مصنع، في الوقت الذي تفتقر فيه البلد إلى أصناف كثيرة جداً، تصنف على أنها أدوية منقذة للحياة.لنضف إلى ذلك تقهقر الصناعة المحلية أمام المستورد من الدواء، بفعل تبني خيار الاستيراد، وتفضيله على الإنتاج المحلي، من قبل عدة جهات سياسية وتنفيذية، ربما لسهولة اتخاذ قرار الاستيراد، أو الأرباح الآنية التي يجنيها البعض، ولا تنعكس على مجمل حال البلد، أو لأسباب أخرى يتصدرها الفساد المستحكم، الذي شل أركان الدولة، ويقودها نحو الحضيض والذي لن تكون هناك أي فرصة للنهوض قبل اجتثاثه بالكامل.

الشيء المؤكد أن الاهتمام بالصناعة الدوائية في السودان، وفي ظل الوضع الصعب الذي تمر به بلادنا – وقس على ذلك في بقية الصناعات – يسهم بقوة في منع السودان من الانتحار اقتصاديا على عدة أصعدة، تتمثل في توفير الدواء للمواطن بسعر مناسب، وبما يوفِّره على الدولة من مبالغ طائلة من العملة الصعبة، التي تهدر في استيراد ما يمكن تصنيعه بالداخل، إضافة لتوفير فرص عمل للشباب، تسهم في القضاء على مشكلة البطالة، ولا ننسى أن رسوخ الصناعة المحلية، يؤدي إلى تخرج أجيال متمرسة في عالم الصناعة والإدارة الصناعية، وكل هذا يعتبر دعماً قوياً للاقتصاد، ومساهمة كبيرة في نهضة البلد ورفاهية مواطنيها. كذلك يمكن للصناعة المحلية، إذا تم الاهتمام بها كما ينبغي، التوجه نحو التصدير لدول الجوار، وهذه خطوة متقدمة لتوفير العملة الصعبة، وزيادة للموارد التي يمكنها حل مشكلات السودان.

من المهم أيضاً، عدم توقف الأمر عند التصنيع فحسب، بل يجب أن يمتد لقصر أصناف معينة على الإنتاج المحلي حصراً، فترك الباب مفتوحاً لاستيراد عقاقير مثل الأموكسيسلين، أو منتجات كبودرة التلك، وصابون الكبريت، في ظل تصنيعها، أو إمكانية تصنيعها محلياً، وبجودة مطابقة، هو ضرب من ضروب الإهدار المستمر لمقدرات المكوِّن المحلي، بل هو مساهمة كبيرة في تحطيم تماسك الاقتصاد، الوطني، وزيادة أمد معاناة الشعب، وتضييع الفرصة لتقديم السند القوي للنهضة المنشودة.

فدول كثيرة تتعامل مع هذا الملف بحكمة وعقلانية واستشعار المسؤولية تجاه شعوبها، وكينونتها كدول محترمة، مثل الهند، التي تمثل الصناعة عقيدة راسخة في عقليتها السياسية، ودولة مثل الجزائر على سبيل المثال، التي تحد من استيراد أي منتج يتم صناعته محلياً، وتسمح فقط باستيراد المنتجات التي لا يتم تصنيعها داخل البلد. ولا تقف عند هذا الحد، بل يتم تشجيع كل من يعمل على تصنيع منتج غير موجود بالسوق المحلي.

إن إيلاء الصناعة المحلية الاهتمام اللائق، يصبح فرض عين على كل من له يد في الدفع بهذا الأمر، بدءاً من القيادة السياسية، مروراً بالمسؤولين عن ملفات الدواء والصحة، والمجلس القومي للصيدلة والسموم، والمستثمرين الوطنيين من صيادلة وغير صيادلة، ويمتد ليشمل الصيادلة المهنيين في كل قطاعاتهم، باعتبار أن هذه القضية قضيتهم التي تنعكس على كل مفاصل المهنة، كما تنعكس على مجمل الشعب والوطن.