شعار قسم مدونات

المثقفون العرب.. تباين عدمي وتشخيص ناقص!

blogs-تاريخ
 
في اللحظة التي استوعب فيها المثقفون العرب ومن ورائهم الجماهير العربية الفجوة القائمة بين المجتمعات الشرقية العربية، ونظيراتها في الغرب تملكت الشعوب العربية حالة من عدم قبول القفزة الهائلة التي حدثت غرباً في الفكر، والفلسفة، والتكنولوجيا، والثورة الصناعية إجمالاً، والنظر إليها باعتبارها حالة شيطانية شاذة عن البيئة العربية وخروجاً عن حتمية التاريخ وحقيقة التمكين تارةً، أو النظر إليها باعتبارها مأخوذة عن البيئة العربية ومستلهمة من روح الإسلام وأبجدياته.

"عدم استساغة حقيقة التطور والهوة الكبيرة بين الحضارتين الغربية والعربية قد لا يكون المشكل الوحيد، لكنه الأساس الذي يُعانى منه، مشكل ضرب في صميم الكرامة العربية ونازعها كبرياءها، وهو ما أطلق عليه المفكر العربي جورج طرابيشي "الجرح النرجسي لدى الشعوب العربية ومثقفيها". وهو حقيقة السبق العلمي، والثقافي، والتكنولوجي الذي سبق به الغرب نظراءهم العرب، والشرق بمجمله.

الغرب ودوله التي يشيدون بإنجازاتها مرت بمرحلة عصيبة وحروب طويلة تمخضت عنها مبادئه وترسخت على أسسها النهضة القائمة بعد عملية نقدية معقدة للتراث.

برز مع هذه الحقيقة -وبعد تلقيها التساؤل الأهم عند الشعوب العربية عطفا على جرحها النرجسي- "عدم تقبل حقيقة الهوة بين الغرب والشرق"!. لماذا نحن (الشرق) متأخرون عنهم (الغرب)، ولماذا هذا التقدم الذي قطعوه والفجوة المعرفية التي تفصلنا عنهم؟ تباينت الأسباب والرؤى وتعليلاتها باختلاف المنابع الفكرية والثقافية التي شُربت لفئات المجتمع، وبرغم تباينها حد الاختلاف التام إلا أن هناك شبه إجماع بعدم استساغة تلك الحقيقة القاسية والنفور منها. كنتاج لتلك الصحوة المتأخرة، وما صاحبها من تساؤلات صحية حيناً، وغض الطرف عن حقيقتها أحايين أخرى.

ووسط ذلك التباين والازدواج تصدر المثقفون المشهد كنخبة محاولين الإجابة على التساؤلات التي تطرحها البيئة العربية ومجتمعاتها، منقسمين إلى فئتين: الفئة الأولى حذت حذو الجزء الكبير من المجتمعات العربية، باعتبار أن كل ما هو آت من الغرب ليس إلا وجها آخر للاستعمار، ورغبة لهتك المجتمعات العربية، ومحوا للتراث القومي والإسلامي وزرعا لمساوئ فكرية واجتماعية وثقاقية في البيئة العربية الإسلامية، عرفانية المنبت والماضي؛ ولهذا يستوجب ضرورة التصدي لتلك الهجمة، ومواجهة معتنقي تلك الأفكار، والتمسك بحرفية التراث، وماضوية النص كطريقة وحيدة للخروج من حالة التردي والنكوص القائمة.
 

هذه الرؤية هي التي يتشاركها الكثير من المثقفين الذين يلونوكها للشعوب العربية غير القادرة على إدراك الخلل القائم تماماً لمحدودية ثقافتها، وضيق أفقها الفكري. الفئة الأخرى من المثقفين هي فئة المثقفين المتلقين كل شيء آتٍ من الغرب دونما نقد وغربلة، أو حتى إجراء عملية موائمة حضارية تراعي التمايزات والتباينات الثقافية والاجتماعية، والذهاب جزماً بأن ارتقاء العقل العربي عموماً لن يتأتى إلا من خلال الأخذ بنفس المناهج والطرائق الغربية الأوربية باعتبارها مجهود حضارة إنسانية شاملة وعالمية لا تقيدها جغرافيا ولا يحدها تمايز.
 

تأخذ هذه الفئة التي أغلب من ينضوي تحتها المثقفون العرب الدارسون في جامعات الغرب والمقيمون في دوله أو العائدون منها، تأخذ حقيقة النهضة الغربية، وكأنها وجدت نتيجة لاتباع مناهج سياسية وفكرية معينة: العلمانية، والديمقراطية، والليبرالية، دون إدراك وازن لحقيقة أن الغرب الذي يعيش فيه ودوله التي يشيدون بإنجازاتها مرت بمرحلة عصيبة وحروب طويلة تمخضت عنها مبادئه وترسخت على أسسها النهضة القائمة بعد عملية نقدية معقدة للتراث وإخضاع الماضي بإفكاره للمساءلة العلمية.
 

اتخذت هذا الفئة من المثقفين عقيدتها الفكرية تلك، كنقطة ارتكاز محورية غير واعية لمعالجة التردي، والتخلف الفكري السياسي والمؤسساتي القائم في المجتمعات العربية، واللحاق بركب الحضارة الغربية التي يزعم عالميتها، مستوردا لأفكارٍ يزعم بأن تطبيقها أضحى ضرورة للمواكبة والتجاوز غير قادر على إثراء مجتمعه بأفكار تلامس الخصوصية التاريخية، والبعد الحضاري، وخلق إنتاج فكر يراعي ما حوله من تراث من غير المعقول الحكم على بطلانه، وإحلال آخر يكون بديلاً عنه والركون إليه، بل والزعم بصحته تماما وتوقع قبول المجتمعات هذا الفكر وضرورية الاقتناع بهذه الرؤية وخطوات تنفيذها لمجرد أن المثقف اقتنع بها وأسقط عليها صفة التعميم والعالمية.
 

حرفية الماضي ومقولاته لا تناسب عالم اليوم، كما أن القفز عليه وترحيله يعقد الإشكالية ويوسع مداها الزمني أكثر.

هذه الفئة من المثقفين تبدو أقل إدراكا من نقيضتها الأخرى، إذ تنسف حقيقة أكدتها وما زالت تؤكدها جميع الدراسات ذات البعد الاجتماعي والثقافي والأنثربولوجي على خصوصيات الشعوب، وتبايناتها إلى حد التناقض كنتاج لعوامل، بيئية وتاريخية تراثية واختلافات عديدة على ضوئها تتشكل حضارة ما، وتبرز سماتها الثقافية والفكرية، بعد المرور بعقبات وإشكالات يتباين نوعها وزمنها والتعامل معها وردود المجتمع عليها.
 

عدم القدرة التشخيصية التي صاحبت الفئتين أوجدت -أو على الأقل- أسهمت في حالة الركود الحضاري والفكري والثقافي الذي تعيشه المجتمعات العربية، والارتكاس المؤسساتي والتنظيمي في بناه وهياكله، وحصول عملية تثبيط لكل ممكن وضروري يفترض وجوده، وتثبيت الوضع القائم بكل إخفاقاته وثغراته.
 

لن يتأتى إصلاح أو يبرز تطور في كافة مستوياته إلا بمراجعات عميقة للتراث، ونقده على أسس علمية تستند على حقيقة التفاوت الحضاري، وتراعي أخرى، فحواها أن حرفية الماضي ومقولاته لا تناسب عالم اليوم، كما أن القفز عليه وترحيله يعقد الإشكالية ويوسع مداها الزمني أكثر.