الكُوخ كما هو!

blogs - تونس

قبل الثورة…الكوخ هو الكوخ! اندلعت الثورة.. قامت الثورة.. والكوخ كما هو…! بعد الثورة… الكوخ كما هو…! الثورة اليوم تحتفل بعيدها السادس…والكوخ كما هو!

في بيتها…عفوا! عفوا! في كوخها.. في ذاك الكوخ النّائي، ذاك الكوخ الذي أحاطت به الجبال والهضاب من كلّ ناحية، ذاك الكوخ الذي ترصّعت جٙنٙباته بالقصدير والبلاستيك والأخشاب، سرعان ما يذوب الجليد لتتسلّل أشعة الشمس من بين ثنايا تلك الأعواد الهشّة التي لُفّ بها الكوخ، فتتقاطع خيوط تلك الأشعّة داخل الكوخ مؤذنة بميلاد يوم جديد بعد ليلة من البرد القارس، قطرات النّدى عرفت طريقها إلى قاع الكوخ، تلك الأصوات و"المعزوفات" التي شكّلتها قطرات المطر المترنّحة ذات اليمين وذات الشِّمال بسبب الريّاح العاتية على أوتار القصدير والبلاستيك!،ذاك العمود الذي ظلّ شامخا وسط الكوخ يرفع سقفه، وهو في ذات الوقت أفضل مكان يُعلّق فيه "فتيل الزيت" عند كلّ غروب، "فتيل الزيت" الذي عبثت بشُعلته قطرات المطر تارة وزفرات الريّاح المتسلّلة تارة أخرى، لكن لابأس! فالعيون التي تعوّدت على الظّٙلٙام لم تعد تكترث للنّور!

في كوخها…امرأة احتضنت ولديْها، مات زوجها بسبب المرض منذ سنوات، امرأة تجعّد وجهها، وغزا الشيب شعر رأسها وبدأ يتسلّل إلى شعر حاجبيْها…رغم أنّها لم تتجاوز الثلاثين بعْد، هزيلة الجسم أعيتها الخصاصة والحاجة، لكنّها كلّما التفتت إلى وجهيْ "أحمد" و"عبد الرّحمن" اللّذيْن كُسِيا براءة ونورا وبهاءً زاد إصرارها على الحياة، واشتعلت جٙذوة الأمل بداخلها رغم الظروف الصعبة والقاتلة.. فتُقْبِلُ على "أحمد" مُقبِّلة رأسه وهي تقول: "أريدك يا أحمد أن تكون طبيبا"، فيرتمي في أحضانها "عبد الرحمن" وقد أخذته الغٙيرة قائلا: "وأنا سأصبح وزيرا يا ماما…"، تضحك الأم وتضمّ "عبد الرحمن" إلى صدرها مُقبِّلة رأسه هو الآخر.
 

اصنع ثورتك بنفسك، دراستك ثورتك، نجاحك ثورتك، أخلاقك ثورتك، بِرّك بأمك ثورتك، كن طبيبا فتلك ثورتك…كن طبيبا فتلك ثورتك.. فليس أحدٌ أحرص عليك من نفسك.

الأم:
_ أحمد! أحمد! انهض لتجهّز نفسك فموعد المدرسة قد اقترب، انهض حتّى لا يفوتك الدرس، انهض فهي سبعة كيلومترات لابد أن تقطعها مشيا على الأقدام حتّى تصل إلى مدرستك، انهض لابد أن تنجح هذه السنة لتنتقل إلى المدرسة الإعداديّة، انهض انهض…!
أحمد:
_ يا أمي اليوم لا ندرس!
الأم:
_ لماذا يا أحمد؟!
أحمد:
_ يا أمي اليوم عطلة…اليوم عيد الثورة…!
الأم:
_ عطلة ماذا؟ وثورة ماذا؟ يا أحمد!
أحمد:
_ أتذكرين يا أمّي لمّا كنت في الصفّ الثّاني، عندما تعطّلت الدروس، وانتفض النّاس، و تنادْوا: ارحل! ارحل! للرئيس؟
الأم:
_ هل توقفت الدروس اليوم يا أحمد ليقول النّاس من جديد: ارحل! ارحل! للرئيس الجديد؟
أحمد:
_ لا لا يا أمّي، جعلوا هذا اليوم ذكرى لهذه الثورة المجيدة.
الأم:
_ ذكرى! و ماذا نصنع بالعيد والكوخ هو الكوخ يا أحمد؟
أحمد:
_ لماذا لم يبنُوا لنا مكان الكوخ منزلا من الحجارة؟ لقد وُعدنا ذلك مرّات ومرّات أيّام الحملات الانتخابيّة!
الأم:
_ يا أحمد! اصنع ثورتك بنفسك، دراستك ثورتك، نجاحك ثورتك، أخلاقك ثورتك، بِرّك بي ثورتك، كن طبيبا فتلك ثورتك…كن طبيبا فتلك ثورتك…فليس أحدٌ أحرص عليك من نفسك يا أحمد!.

مرّت السُّنون و الأيّام

أحمد:
_ ألو…ألو…
عبد الرحمن:
_ من معي؟
أحمد:
_ أخوك أحمد يا عبد الرحمن!
عبد الرحمن:
_ أهلا يا أحمد هل وصلت؟
أحمد:
_ نعم يا عبد الرحمن، لقد وصلت، لماذا لم تنتظرني في المطار كما وعدت؟
عبد الرحمن:
_ آسف جدّا يا أحمد…لقد كنت في اجتماع وزاريٍّ طارئٍ، أين أنت الآن؟
أحمد:
_ في القرية يا عبد الرحمن، زُرت قبر أمّي وأنا الآن داخل كُوخنا.. ما أحلى تلك الأيّام..!
عبد الرحمن:
_ لابد أن تأتي عندي الليلة يا أحمد، سأنتظرك على العٙشاء، أسرع قبل أن يُدركك الليل، فأمامك ما يزيد عن مائتي كيلومتر حتّى تصل إلى العاصمة.
أحمد:
_ لكن القرية هي القرية يا عبد الرحمن!،أين التنمية؟،أين الطرقات؟،أين الماء؟،أين الكهرباء؟…
عبد الرحمن:
_ سأسعى لإيجاد حلّ لهذا الأمر يا أحمد، أعدك بذلك.
أحمد:
_ لا تنس يا عبد الرحمن! عفوا! عفوا! لا تنس يا سيادة الوزير!،فالكُوخ كما هو! فالكُوخ كما هو!