زفرات ينايرية

blogs - revolution
أيام طويلة من المشاهدة، وأنا أردد: إن استمروا فسيطيحون به، هؤلاء من الغرب، مثقفون ونفوسهم طويلة، وهو ينكر.
كنت حينها على كرسي الحلاقة، صرخ أحد من ينتظرون دورهم: "افتح التلفزيون بسرعة، بسرعة"، ثم قرأ: "الرئيس التونسي يفر وعائلته من البلاد ويترك قصر الحكم فارغا"، صعقت! تركني الحلاق، وأخذ يبحث في التلفاز، "حط عالجزيرة"، "عمبدور، مش حافظ رقمها"، ثم انتقل لـ france 24، وإذ بصور تملأ الشاشة من شوارع تونس، وعنوان عريض يؤكد رسالة من خلفي.

كل الأصوات سكتت، كل العيون حدقت في الشاشة العلوية، همست: ما هذه القناة؟ لم أرها من قبل، ثم مذ متى نأخذ أخبارنا من رسائل الهاتف؟ رفع صاحب المقص مقصه، خرجت أركض نحو الشارع، ركبت في التاكسي، يحادثني: "سمعت؟ بقلك الرئيس التونسي هرب!"، قلت: "مين نقل الخبر؟"، قال: "اسمع"، ورفع صوت الراديو، ما هذا؟ bbc! وصلت البيت، فتحت الجزيرة، وسرت قشعريرة رهيبة، أرسلت لصديقي ذاك: فتحت التلفزيون؟ أخبرتك، سيسقط!

عندما شاهدت المنصف المرزوقي رئيسا، تذكرت ذلك الفيديو الشهير الذي تناقله البعض له وهو يدعو الشعب للنزول، سألت حينها: هذا رمز النضال في تونس؟ أول مرة أشوفه.
بعد أيام، كانت تعليقات أصدقائي المصريين تملأ صفحات الفيس بوك، هذا الشيء الذي كنا نعطيه فضلة وقتنا، نقاشاتهم، أسئلتهم، تخوفاتهم، مشاعرهم المتناقضة تجاه بلادهم من جهة، وعائلاتهم من جهة، فيديو أسماء محفوظ تدعو للنزول بكل جرأة، "هذه الفتاة في مصر هي ذات الشخص في تونس؟"

أومن أن التاريخ يعيد نفسه، وكان لا بد من كسر للحلقة المفرغة حتى نخرج من الحلبة الدائرية، ظننت أن 2011 تمكنت من إحداث شرخ عظيم في الحلبة مكننا من الخروج.

كيف يمكن لمن عاش تلك اللحظات ألا يهتز كل ما فيه؟ رش المياه على المصلين؟ الكر والفر فوق الكوبري؟ عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" التي قرأتها أول مرة مكتوبة من قبل أحد الأصدقاء الفنانين وتساءلت: "ما هذا الشعر الركيك؟" قبل أن أكتشف أنها هتاف تاريخي؟ التلفاز الذي أنام وأصحو عليه؟ خطابات مبارك ومقارنتها بخطاب "أنا فهمتكم"؟ عزمي بشارة الذي يلطم على الهواء إثر تغطية التلفزيون المصري الرسمي؟ اتصالاتي اليومية بأصدقائي المصريين في التحرير؟ الإيميلات اليومية التي كانت تصل وفيها مقتطفات من تاريخ الثورات؟ أحد تصاميمي الذي عُلق في ميدان التحرير؟ الإنترنت الذي قطع عني كون مزودي شركة مصرية أردنية؟ أعلام مصر التي بدأت تزين إكسسوارات الأصدقاء هنا؟ الفنانون الذين يبكون على خطاب مبارك؟ الشيوخ الذين "أمروا" الناس بالعودة للبيوت قبل أن يغيروا موقفهم؟ خطب المساجد؟ الأغاني الوطنية المصرية؟ مشاهد صور وفيديوهات الأصدقاء في الشوارع؟ خطاب "لم أكن أنتوي"؟ البيان رقم 1 للقوات المسلحة؟ الثقل الجديد للجُمع ومساجدها وأسمائها؟ بدايات التخطيط لحراك في سوريا وليبيا واليمن؟ المسيحيون الذي يحيطون بالمسلمين في التحرير أثناء الصلاة؟ تصريحات البيت الأبيض المتناقضة؟ مغادرتي لعرس أحد المعارف كوني اجتمعت وأحد مسفهي الثورة المصرية على طاولة واحدة؟

كنت كما أنا الآن، جالسا أمام حاسوبي، التلفاز على يساري، مفتوح لكنه على الوضع الصامت، أرمقه بين لحظة وأخرى، تركته لفترة ليست قصيرة، ثم عدت إليه، فوجدت عمر سليمان على الشاشة! رفعت الصوت:
"بسم الله الرحمن الرحيم، أيها المواطنون، في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإدارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان"
فرحة هستيرية، وبكاء لا يتوقف.

أومن أن التاريخ يعيد نفسه، وكان لا بد من كسر للحلقة المفرغة حتى نخرج من الحلبة الدائرية، ظننت أن 2011 تمكنت من إحداث شرخ عظيم في الحلبة مكننا من الخروج، زاد في ذلك الاختلاف الفظيع في أسلوب حديث الناس، أصبحت هناك مواضيع حضارية تسيطر على الجلسات، أصبح هناك كلام عن "الأمل"! كيف اقتحمت هذه المفردة أحاديثنا فجأة؟ أصبحت هناك أنشطة ثقافية كثيرة جدا، والشاب الذي كاد يقتل نفسه قبل أيام حزنا على خسارة فريقه، رفع اليوم صوته في تلك الجلسة منافحا عن رؤيته السياسية للمنطقة التي بناها بعد قراءته لكتابين في شهر!

– ماذا سيحدث لو نام أحدهم نهاية 2010 واستيقظ في 2012؟
سيسأل كم لبثنا!
– ماذا سيحدث لو نام أحدهم نهاية 2010 واستيقظ في 2014؟
لا شيء!
– هل شاهدت فيلم The Maze Runner؟

  • 3 يوليو، عائدا إلى منزل عمتي من حفل تخرج، خطوت الخطوة الأولى نحو الداخل، خرج ابن عمتي مكفهر الوجه: "سقط".
  •  14 أغسطس، قُتل صديقي الدكتور عبد الرحمن خالد الديب.

النهاية.