في الحكاية: الغيبوبة السياسية بالمغرب!

blogs- بنكيران
يبدو أن "السيتكومات الواقعية" ما زالت خامدة في نومها العميق، فالساحة السياسة بالبلد تعرف -حتى الآن- أطول غيبوبة في تاريخ السياسة بالمغرب، فحتى أيامنا تبدلت، سامح الله هؤلاء السياسيين، على الأقل كانوا يزرعون الابتسامة في وجوهنا كل الصباح.

فكلما استفقت من نومي مهيئا نفسي متوجها لمكتب الجريدة، حتى أسارع بفتح بعض المنابر متصفحا آخر "الخرجات" الهزلية بموازاة ما نسميه نحن القرار السياسي، أما هم فقد نسوا الاسم وصاروا يمارسون الفرعونية على نطاقات تمكنوا منها بشيء من تسويق الكلام، ولبعض المراهقين بعض من أحلام النيام، قبل أن يبدأ سباق "التحاويصة" على مدى خمس سنوات، وتحصين ما يمكن تحصينه في أفق "التشطيب الكامل" للميزانيات الجماعية، وتفويت الدراهم عن طريق قنوات أخرى، كما وأن "أكذوبة الجمعيات" والملايين لسد "الحنك" نسبة إلى الأكلة الشرقية المعروفة، لكن للأسف أسماء كثيرة "تلفت ليها الجرية" وأخرى هرولت لسُبات عميق فما كان للكراسي الحكومية أن تفقد وعيها، لتدخل الحكومة غيبوبة طويلة مجهول سببها، فمن نطَح الحكومة يا ترى؟

رئيسنا لا يعلم أنه في الوقت الذي ينام معطلا تشكيل حكومته، تعرف فيه مؤسسات القرار الصغرى بالدولة سيناريوهات فساد إداري بوجه سلطة أو مال، ينهبون ولا يعرفون لسد الجفون طريقا.

إن رئيس حكومتنا كان السّباق لهذا الحل "بعد أن صرح في فيديو مسرب: "أنا هنا حتى يبغيوني ويعيطو عليا"، بعد أن أضاف معلقاً على سؤال ضيوفه الذين زاروه في بيته كمن يُزار المريض، فتعمدوا تصويره أثناء الجلسة حين سُئل: "ماذا عن العمل وما يفعل بشأن مصالح البلاد الأخرى؟" ليرد قائلاً: "كنمضي وكنسيير أموري من داري".
 

لكن رئيسنا لا يعلم أنه في الوقت الذي ينام معطلا تشكيل حكومته، تعرف فيه مؤسسات القرار الصغرى بالدولة سيناريوهات فساد إداري بوجه سلطة أو مال، ينهبون ولا يعرفون لسد الجفون طريقا. وأبرز مثال على ذلك ما يقع حتى اليوم في جماعة "أيت وادريم" بإقليم أشتوكة أيت باها بالدائرة الجبلية، ورئيسها الذي يتعامل بمنطق "الطاغية المتجبر" مواجهاً كل من يقف في طريقه، ففي سنة 2009 زور شهادة ابتدائية ليدخل المنافسة الانتخابية بعد أن استغل بطاقات تعريف الساكنة، موهماً إياهم أنه سيجلب لهم إعانات ومساعدات، فجعلهم شهودا بتصريحات شرف خولت له المشاركة في الاقتراع، ونيل كرسي الرئاسة بالجماعة المذكورة.

فصار بعد ذلك يلوح بقلمه يمينا وشمالا حاكماً سيطرته على كل درهم من ميزانيات المشاريع، وبعد أشهر فقط من ولايته الأولى تم اكتشاف الأمر عن طريق وشاية مقربين ليتم عزله والحكم عليه ابتدائياً بستة أشهر سجنا، قبل أن يواصل قضيته إلى الاستئناف ثم النقض ليتم منحه عفواً ملكياً.

لكن هذا الرجل صاحب القلب "الفرعوني" والمنتمي لحزب "البام" لم يحمد مولاه، ولعشقه لطعم الميزانية الشهي لم يقاوم فراق كرسي السلطة ودريهماته، فأعاد الكرة مرشحا نفسه باسم حزبه في الجماعة نفسها بالانتخابات الجماعية التي جرت يوم 4 سبتمبر 2015، حيث تولى الرئاسة مجددا دون حسيب أو رقيب من الداخلية أو الشركاء القانونيين والمراقبون لعملية الانتخابات، لولا الطعن الجديد الذي تقدم به منافسوه مرة أخرى ليتم عزله، خاصة وأن هذا المرشح "البامي" له سوابق قضائية وممنوع أصلا من دخول المنافسة الانتخابية حسب قانونها، فما بالك بالوصول لكرسي القرار حتى يتم عزله من جديد بعد أكثر من سنة على موعد السباق الانتخابي.

إن أضفنا للمتأمل مشهداً كالذي يحدث في تراب سوس أو حتى ربوع المغرب كله. فلن يحتاج منا الكثير من التفكير للإجابة عن سؤال من قتل السياسة بالمغرب؟ أو حتى من نطَح الحكومة؟

حكاية تطرح جملة إشكالات حول الطريقة الارتجالية التي يتم بها التعامل مع قضايا مثلها، ولاسيما الاستهتار المُلاحَظ من طرف الجهات المعنية بمثل نظام مؤسساتي في الدولة، ليظل السؤال الرئيسي هو من يسمح لمثل هؤلاء بالتسلل لكراسي القرار الذي ينزل على رأس المواطن كالصخرة، والذي لا يحمل من المعاني سوى أن السياسيين بالبلد لم تبق لهم حتى ولو نسبة ضئيلة من انشغالاتهم بالمصلحة العامة، سوى ثرثرة أقلام في أوراق تؤثث منصاتهم "العرعارية" وقنواتنا التلفزيونية.

والنموذج الذي أسلفنا ما هو إلا صورة مصغرة لما يقع لدى كبار السياسيين، بما أن وباءهم يلد مثل هؤلاء السياسيين، فحسب تعبير الفيلسوف الإغريقي هيرقليطس "إن الخراثيث لا تلد إلا الخراثيث".

فمن خلال المشهد الدرامي الذي ظهر به السيد عبد الإله بنكيران في بيته، كذاك الذي خارت قواه بعد صدمة الغيبوبة التي تعيشها الساحة السياسية مما اقترفت الخصوم والحلفاء على حد سواء لأن الثقة فُقدِت والموازين اختلت، فلم يعرف الرئيس المُعين بمن يثق. هل الاستقلالي الذي غدر به في الولاية الأولى، أو من يشك أنهم حاكوا ضده مؤامرة لسلبه الرئاسة.
 

وإن أضفنا للمتأمل مشهداً كالذي يحدث في تراب سوس أو حتى ربوع المغرب كله. فلن يحتاج منا الكثير من التفكير للإجابة عن سؤال من قتل السياسة بالمغرب؟ أو حتى من نطَح الحكومة؟ وأفقدها وعيها حتى كتابة هذه الكلمات. وإن سَخِرنا من الوضع ظاهرياً فإننا لا ننكر أننا نبكي في النفس ألف مرة.