شعار قسم مدونات

صَدى طُرْوادة في حضرةِِ الغِياب

blogs - Historic books
تبوَّأَ نصًّ شاعرنا الفلسطينيّ الرّاحل محمود درويش (في حضرةِ الغياب) مكانة مكينة بين نصوصِه الأدبيّة، كونه نصًّا ثريًّا من النّاحيتين الأدبيّة والفكريّة، يعانِقُ فيه الشعرُ النَّثرَ، ليقف فيه أمام أهم محطات حياته، والأحداث المفصليّة في مسيرة القضية الفلسطينية، حتّى يكون حاضرًا في غيابهـا.
نهضَ نصّ محمود درويش، في حضرة الغياب، على غير رافدٍ ثقافيٍّ، أَظْهَرُها الرّافد الأسطوريُّ، الذي ستتحدَّث عنه المدوّنة هذه، لِتَتّخذَ، بَعْدُ، الصدى الطرواديّ والإغريقيّ أنموذجًا على ذلك، إن شاء الله.

اتّكأ الأدبُ الفلسطينيّ في خطابِه الأدبيّ على الرّافد الأسطوريّ، مجاراةً لروح الحداثة في الأدب العربيّ، الذي وُسِمَ بتوظيف الأسطورة، والتي نبعت سطوتها على الأدب من قدرتِها المؤثِّرة على تحفيز الفنّان المبدع، وإمداده بطاقات روحية لا ينتهي إشعاعها، وإدراكًا من الأديب الفلسطينيّ – انطلاقًا من الرسالة التي يحملها -، إلى أهمية توظيف الأسطورة في خطابه الأدبيّ، في ظلّ صراعِ الرّوايات المتَّكئة على التّاريخ والأسطورة: الرواية الفلسطينيّة التي تثبتُ أحقيّتَها الشرعيّة على هذه الأرض، أرضِ كنعان، فنهضت على إرْثِ أجدادِها، وروايةِ الآخر المزعومة المتّكئة على الأسطورة التّوراتيّة، أسطورة أرض الميعاد، والسّارقة لتراثِ المنطقة وأساطيرها، المشوِّهة لتاريخها، حتى تحيلَ ملّاك الأرضِ الشرعيّين إلى طارئين بعد طرْدِهم من أسطورة أجدادهم وتاريخهم.

يعدُّ الرمزُ الأسطوريّ أداةً بارزةً من أدواتِ ولوجِ الأسطورةِ النّصَّ الأدبيّ؛ إذ يخلقُ للأديب جوًّا يمكِّنُ فيه نصَّه لمعانقةِ الأسطورة إشارةً لا سرْدًا؛ ليحيا في جوْهرِها، حيث وحدة التّجربة الإنسانيّة، واللّاشعور الجمعيّ المترسِّب في أعماق الإنسان، والحالة الشعوريّة التي يحياها الأديب، والظروف الرّاهنة التي يمرُّ بها مجتمعه، ما تدفعه إلى استحضار الأسطورة؛ ذلك أنّها ليست مجرّد نتاج بدائيّ يرتبطُ بمراحل ما قبل التّاريخ، أو بعصور التّاريخ القديمة في حياة الإنسان، وأنّها لذلك لا تتّفق وعصور الحضارة، وإنما هي عامل جوهريٌّ، وأساس في حياة الإنسان في كلِّ عصر، وفي إطار أرقى الحضارات.

الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كلَّ شيء إلى مشيئةِ الرّب الذي وعد ولم يخلِفِ الميعاد، كتبوا روايتَهم: عدْنا، وكتبوا روايتَنا: عادوا إلى الصّحراء.

أوْلى محمود درويش الرَّمزَ الأسطوريّ عنايةً فائقةً في أدبيَّاتِه، انطلاقًا من إيمانِه بمدى القدرة الإيحائيَّة والتَّعبيريَّة المكثَّفة الَّتي ينهض بها، فكانت رموزه الأسطوريّة أصداء تنبلج من رحمها موروثات إنسانيّة متعددة، تشارِكُ الفلسطينيّينَ مآساتهم، ولمَّا يقِفْ توظيفُه الظَّاهرة الفنِّيَّة هذه عند حدود اللَّفظة الظَّاهرة حسْب، بل كانت ظاهرةً حُبْلى بِرُؤىً فكريَّةٍ وأيديولوجيَّةٍ عميقةٍ تعكس رؤاه، وهي تتراوح بينَ تأصيلِ كيانِه، وتجْذيرِه عبْرَ كتابةِ تاريخِ شعبِه وروايتِه كما يجدُه أهلًا للكتابة، وحقًّا للقراءة، لا كما يُرْوى عنه، وبينَ توجيه النَّقدِ الهادف للذَّات المُرتكِبة هِناتٍ كانت طريقًا إلى ضياعِها.

في ظلِّ اتِّكاء الآخر على الدِّين والأسطورة في خطابِيْه الأدبيِّ والسِّياسيِّ نحْو إثباتِ شرعيَّة وجودِه المُخْتَلَقة، احتلَّ توْظيف محمود درويش للموْروثِ الدِّينيِّ والأسطوريِّ منزلةً رفيعةً في مشروعِه الثَّقافيِّ.
يزاحمُ محمود درويش كبارَ الشعراء العرب في توظيفه الأسطورة في أعمالِه الأدبيّة، فيجدلُها ونصوصَه، انطلاقًا من إيمانِه، ووعيِه المتكامل بأهميّة إيلاجِ النصِّ الأدبيِّ فضاءَ الأسطورة، وقد تنتهي النظرة الشّموليّة المتأنِّية لتطوُّرِ الفنِّ الشعريِّ، وطرائقِ الأداء والتّعبير عند درويش، إلى الكشفِ عن وعْيِ الشاعر بقيمةِ الأسطورة، وأثرها في الشعر بما هي مصدر ثقافي، بل مخزون هائل لثقافات متعددة.

لم يقْتَصِر انفتاحُ درويش الأسطوريِّ على الموْروثِ الشّرْقِيِّ وحْدَه، بل تعدّاه لِيَلَجَ فضاءَ الأساطيرِ الإغريقيّة، في سبيلِه لتفاعلِ القضيّة الفلسطينيّة والموْروثِ القوْميِّ مع الموْروثِ العالميِّ، فينقلُ الصّراعَ من أُطُرِه المحليّة إلى العالميّة، ويشارك الضحيّة الفلسطينيّة صوْتَها والضحيّة الطّرواديّة، ويماهي صورةَ الآخر والمُحتلَّ الإغريقيّ.

أفاد درويش في نصِّه (في حضرةِ الغياب) من ملحمةِ (الإلْياذة) للشّاعر اليونانيِّ هوميروس، والتي "تسردُ غيْضًا من فَيْضِ الحوادثِ التي جرت في الأيّام الأخيرة من العام العاشر، للحرب النّاشبة بينَ الإغريق والطّرواديّين حوْلَ مدينةِ إلْيون (طروادة)، نتيجة سبْيِ فاريس ابن ملك إلْيون لهيلانة زوجة ملك الأخائيّين مانيلا بن أتريذ، ما دفعَ الإغريق إلى احتلالِ طروادة في سبيل استرداد ملكتِهم".
وقد اتّخذ درويش الطّرواديَّ رمْزًا للفلسطينيّ، فإذا كان الأوّل ضحيّة الإغريقِ، فالثّاني ضحيّة الآخر الصهيونيّ، يقول واصفًا خروجَ الفلسطينيّ من أرضه عام النّكبة:
"تعرِفُ تمامًا ماذا تركْتَ وراءكَ: ماضيًا غيرَ مُدوَّنٍ في نشيد، عن طرواديّين جُدد، لا يُروى عنْهم إلّا ما يقولُ أعداؤهم عنْهم".

ويستخدمُ درويش رمزَ (النّصِ الإغريقيّ) في الإشارة إلى رواية الآخر المزيّفة، ويبثُّ في الفلسطينيِّ الأملَ، بعد تنبيهِه له بالنّهوض لدحْض روايةِ الآخر، وتغيير صورتِه فيها.

فخرج الفلسطينيُّ من أرضِه، ولمْ يكتبْ حكايتَه، بل اكتفى الآخر بسرْدِ حكايتِه، وكتابةِ روايتِه عنه؛ لتتَّفقَ ومِخيالَه؛ حتّى يحاكمونا بناءً على ما رَووه عنّا، لا على الحقيقة التّاريخيّة، فيقول:
"الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كلَّ شيء إلى مشيئةِ الرّب الذي وعد ولم يخلِفِ الميعاد، كتبوا روايتَهم: عدْنا، وكتبوا روايتَنا: عادوا إلى الصّحراء. وحاكمونا: لماذا وُلِدتُم هنا؟، فقلْنا: لماذا وُلِدَ آدم في الجنّة؟".
فيختار الآخر ما شاء من أسماء لِيُطلقَها على ضحاياه، دون الالتفات إلى ما تقوله الضحيّة عن نفسِها، يقول:
"والمؤرِّخُ لا يُصابُ برعْشة
الحُمّى إذا سَمّى ضحاياه ولا يُصْغي
إلى سرْدِيَّةِ الجيتار". (لا تعتذر عمّا فعلت)
ولم يقِفْ درويشٌ مُنْتَقِدًا الآخر حسْب، بل تعدّاه إلى نَقْدِ الذّاتِ؛ حيْثُ أشار إلى تقصير المسؤولين عن تمثيلِ الضحيّة الفلسطينيّة في كتابةِ تاريخها، يقول:
"ورأيْتَ إلى نفسِكَ تُكْمِلُ ما تيسَّر لكَ من عمرِكَ، بلا مؤرِّخينَ ومؤلِّفينَ في المطارِ المُزْدَحِم بالمُسْرعين إلى مواعيدِهم التجاريّة والغراميّة".

نتيجةَ تقصيرهم، رأى درويشٌ في نفسِه شاعرًا طرواديًّا نجا من المذبحةِ ليرْوِيَ ما حدث، آخذًا من الأسطورةِ ما يتَّكئ عليْه في نشيدِه؛ لِيُسْمِعَ صوْتَ الضحيّةِ الطُّرْواديّ المفقود.
وإن أشار الرّمز الطُّرواديُّ إلى الضحيّة الفلسطينيّة، غير أنَّ فارقًا بينهما، لمْ تَفُتْ درويشًا الإشارةُ إليْه، فإن سبّب الطُّروادي الاحتلال لنفسِه إثْرَ سرقتِه الملكة هيلانة، فالفلسطينيُّ لم يُقْدِم على صنيعٍ يجعلُه يستحقُّ ما نزل عليه من وابل، يقول:
"لكنّهم لم يخطفوا هيلين، ولم يكونوا سببًا للحرْب".

ويستخدمُ درويش رمزَ (النّصِ الإغريقيّ) في الإشارة إلى رواية الآخر المزيّفة، ويبثُّ في الفلسطينيِّ الأملَ، بعد تنبيهِه له بالنّهوض لدحْض روايةِ الآخر، وتغيير صورتِه فيها، عبرَ كتابته تاريخَه، فيقول:
"ما زلْنا أحياء، وقادرين على تعْديلِ النّصِّ الإغريقيّ، فالفصلُ الأخير، فصل النّهاية، مفتوح إلى ما لا نهاية".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.