زمام المبادرة.. والطرق على الحديد ( 1 )

blogs- الثورة
زمام المبادرة يختلف الأخذ به من فرد لآخر، ومن مجموعة أو جماعة -وربما دولة- لأخرى، وكذلك الطرق على الحديد، فهناك من يُبَاغَت على حين غرة، ويفقد زمام المبادرة، وتنتقل الأسبقية في الأقوال والأفعال لغيره، وهناك من يمتلك الزمام، فيحرك الأحداث، ويقع في خانة "الفاعل" وليس "المفعول به"، ويستطيع في الوقت ذاته الطرقَ على الحديد وهو ساخن، فيمتلك "تليين" مواقف خصم، أو تحييده عن إطار صراع محدد مضطرم، أو إزاحته بالكلية من معادلة هذا الصراع.
 

تمهيد لأهمية امتلاك زمام المبادرة والطرق على الحديد وهو ساخن:
تتضح بعض معالم تلك الأهمية من تدارس سريع لبعض الحالات التاريخية والحديثة، التي ربما تُكسِبنا دراستُها القدرةَ على استشراف بعض الأحداث، من خلال تشابه المعطيات، أو تشابه بعض النماذج مع واقعنا المعاش.
 

لما امتلك الشعب المصري زمام المبادرة في ثورة الخامس والعشرين من يناير: استطاع إرباك النظام العسكري الشمولي المتجذر في مصر منذ عقود طويلة، وتهدم جزء غير يسير من ذلك النظام.

في غزوة بدر:
امتلك المسلمون زمام المبادرة، وحققوا عنصر المفاجأة، سواء بالاتجاه أولا للسيطرة على قافلة قريش، واسترداد بعض الحقوق التي سُلبِت من المهاجرين، أم باتخاذ الموقع الأنسب في ميدان المعركة بجوار بئر بدر، وامتلاكهم مصدر المياه الوحيد في الميدان، ثم ازدادت نقاط السيطرة والضغط على الخصم بالمبارزة الأولية التي أهلكت -بقوة الله- أربعة من صناديد قريش؛ مما كان له أعمق الأثر سلبا في معنويات الخصوم، وعكس ذلك في معنويات معسكر المؤمنين، ثم كان النصر بعد ملحمة رائعة من بطولات الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار، بفضل الله تعالى ومنَّتِه .

حدث شبيه بذلك في أحد:
ولكن المسلمين فقدوا زمام المبادرة بعد معصيتهم أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من جهة، وتركهم الموقع الاستراتيجي من جهة أخرى بجبل الرماة، إذ تمكن خالد بن الوليد -وكان لا يزال على الشرك- من خلاله افتعال ثغرة عظيمة في ميدان المعركة، ومن ثم الالتفاف على المسلمين ومحاصرتهم، وسحب الزمام منهم، حتى انقلب سير الأحداث فعليا، وانهزم المسلمون في هذا الجولة.

وبعد أحد بعام واحد امتلك المسلمون ناصية الحدث، وساروا في ركب "نازع للسلاح إلا الخفيف منه" قاصدين العمرة؛ مما أوقع القرشيين في أزمة طاحنة، فكيف يردون محمدا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وقد ساقوا الهدي أمامهم قاصدين الشعيرة وعدم الحرب، كيف يردونه حتى لا يؤثر المشهد سلبا في مكة من جهة، وفي إفقاد الزعامة القرشية للحرم من جهة أخرى بهذا، الدخول المفاجئ المشروع" ؟!
 

وأُسقط فعلا في أيدي القرشيين، وحدثت الحيرة، ودارت الرؤوس، حتى أرسلوا ثلاثة وفود، وأُجبِروا -واقعا- على صلح الحديبية؛ مما كان له أعظم الأثر أيضا في الإمساك بزمام المبادرة في ناحية الدعوة، وفتح الطريق لها في ظل الهدنة، وتفرغ النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبب السلم المؤقت، وبعثه للرسل والرسائل، حتى وصلت الدعوة خارج حدود الجزيرة العربية، وانطلقت للعالمية في ظل هذه الهدنة، ودخلت أعداد كبيرة في دين الله، وظهر أثر تلك الأعداد جليا في فتح مكة، واستطاع المسلمون التفرغ لليهود ناقضي العهود والمواثيق، وتم إجلاؤهم من آخر حصونهم في المدينة، وهو حصن خيبر المنيع.
 

وإن من الأمور المهمة التي ترتبت على ذلك الصلح أيضا، وإقبال بعض الشخصيات ذات الوزن الكبير على اعتناق دين الله -تعالى- بعد تلك المساحة التأملية التي أتاحها صلح الحديبية لهم، وكان على رأسهم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن أبي طلحة .
 

وحديثا:
عاصر المسلمون امتلاك اليهود لزمام المبادرة في إنشاء وطن لهم على الأرض المقدسة، وانتصارهم على مجموع الجيوش العربية في نكبة 1948، ثم حدثت النكسة بامتلاك أبشع لذلك الزمام، وهزيمة عدة جيوش في أيام قلائل معدودات، وتمت السيطرة على سيناء والجولان وابتلاع بقية فلسطين، بما في ذلك القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، وحتى مع امتلاك جزئي لزمام المبادرة في حرب 73، لم يستطع المسلمون استرداد الأقصى الأسير، فقد سحب الزمام مرة أخرى -وسريعا- بعد ثغرة الدفرسوار، وبدأت محادثات الكيلو 101، التي مهدت لوأد حراك استرداد الأرض المقدسة، وبداية عهد جديد من التعايش مع الكيان الصهيوني -مع تغيير العقيدة القتالية أيضا- وكانت الطامة ببنود كامب ديفيد التي أعطت الكيان أعظم زمام للمبادرة في التطبيع والغزو الفكري والاقتصادي والسياسي للأمة، ودشنت عصر التعايش -ليس مع الأنظمة- ولكن مع النخب وعموم الناس في أقطار الدول العربية ومنطقة ما يسمي بـ "الشرق الأوسط".
 

بعد أقل من ثلاث سنوات من ثورة يناير استعاد العسكر زمام المبادرة، وقاموا بانقلاب عسكري، واستطاعوا أن يبنوا أركانا جديدة لنظام أبشع وأكثر إجراما، وكأنهم رفعوا الشعار "عاد لينتقم".

ولما امتلك الشعب المصري زمام المبادرة في ثورة الخامس والعشرين من يناير:
استطاع إرباك النظام العسكري الشمولي المتجذر في مصر منذ عقود طويلة، وتهدم جزء غير يسير من ذلك النظام، وباعتراف قائد الانقلاب نفسه في لقاء له مع ضباطه حينما كان وزيرا للدفاع في 2012 م، حيث صرح لهم بأن الدولة تفككت ويعاد تركيبها من جديد؛ "بسبب ثورة يناير".
 

ولكن بعد أقل من ثلاث سنوات من ثورة يناير استعاد العسكر زمام المبادرة، وقاموا بانقلاب عسكري في الثالث من يوليو 2013 م، واستطاعوا أن يبنوا أركانا جديدة لنظام أبشع وأكثر إجراما مما كان على عهد مبارك، وكأنهم رفعوا الشعار "عاد لينتقم"، وأصبحوا أكثر صراحة وجرأة في التقارب مع اليهود وكيانهم الصهيوني.
 

غصة:
أن تصبح مقودا، أو أن تفقد الزمام في واقع تعيشه وتؤثر وتتأثر به، فلهذا الوضع مرارة وغصة أليمة؛ فكيف وأنت صاحب قضية تمنحها أنفس ما عندك، وتعطيها كل ما تستطيع من طاقتك، وتوقف حياتك عليها! لا بد من إعادة هيكلة لمعطيات حراكك، حتى تمتلك زمام المطلوب، ومن ثم تبرهن على صدق قضيتك التي تحملها، فتصبح حقيقة بديهية، تأخذها عنك الأجيال، وتعمل بها، وتختلط بها مهجهم وعقولهم، فلا ينفكون عنها، ولا تنفك هي عنهم، وتكون من لوازم حراكهم وخلجات صدورهم وما تلهج به ألسنتهم.

كان هذا تمهيدا سريعا لأهمية زمام المبادرة، وضرورة الإمساك به، والطرق على الحديد وهو ساخن. في الحلقات القادمة -بإذن الله- نتناول: أهمية زمام المبادرة، والأشياء التي يحتاجها المبادرون ليمسكوا بهذا الزمام، كي يقودوا واقعهم الذي يعيشونه، ويساهموا بشكل فاعل وإيجابي في معادلة التغيير.