مذكرات حامل

blogs- حامل
الحديث عن الأمومة والحمل والولادة حديث ذو شجون، تتذوّقه القلوب لقربه منها، وفي جعبتي مزيد من تلك المعاني، التي أكتب بعضا منها للتفكر، وبعضا للجمال والدفء، ولست أوفي القضية حقها، فهي عصيّة على الوصف كالحب والألم، إذ لا يدرك حقيقته إلا من ذاقه..

لكن المعنى يبقى يؤرق الكاتب حتى يحوّله إلى كلمة، كما يؤرق الإحساس الرسام حتى يحوّله إلى صورة، وسأكتب اليوم مذكرات حامل، تلك المرحلة التي تقرأ كثيرا في وصفها فيزيولوجيا، لكن قلّما تجد لها وصفا نفسيا وحسيا، وليس ما أكتبه خاصا بي، وإنما مرّت بتلك الأحاسيس كل من تكوّٓن في داخلها إنسان، وعاشت لحظة بلحظة صنع الله الذي أتقن كل شيء.

الدنيا تدور في دماغي واضطراب في داخلي، شيء ما في أعماق أعماقي يبدو معقدا لا تفسير له، أختار الذهاب إلى البحر لتهدأ نفسي، أتابع تلك الأمواج تغزل خيوطها البيضاء على عجل، ثم زرقة صافية وهدوء جذاب يطفو على السطح، هذه الصورة مرآة لنفسي التي تتغير فمنذ أن أصبحت حاملا أصبح لكل شيء لحن خاص.

ربما على الأم أن تعيش مرحلة من الزمن تتذوق فيها مرارة الضياع؛ لتجد لذّة الوجود في نبض جنينها الذي يصارع من أجل الحياة..

أحيانا أشعر أنني لست أنا، فنفسي تنفصل عن نفسي، وقد أتساقط على الأرض كورقة خريف أو أحلّق في السماء على جناح طائر نورسي، أحب لقاء الناس والتواصل معهم، ثم تستهويني خلوة لا ألقى فيها أحدا، فأراني في تلك الحديقة الصغيرة المساحة والواسعة المدى؛ زهرة تصحو بلونها الحقيقي فجرا، و تمتزج بها ألوان شتى في الضحى، وعند الغروب تمسي بلا لون، فهل أنا أنا؟ أم أن ذاك الإنسان في داخلي ينتزع مني الأنا في الأشهر الأولى من الحمل؟

عندما أستيقظ صباحا لأشرب كوب الحليب لكي أحافظ على غذاء خاص من أجل الجنين؛ أتأمل الكوب كما أتأمل غيمة بعيدة في السماء، أعلم أني لن أصل إليها، وتأخذني الذكرى لعيني أمي عندما كنت بصحبتها عند طبيبة الأسنان، وسألت الطبيبة عن ضعف أسناني، فقالت أحد الأسباب أن أمك لم تشرب الحليب بشكل جيد وهي حامل بك، نظرت إلى أمي نظرة لوم وقلت لها: ماما لماذا لم تشربي الحليب؟ ابتسمت أمي وقالت: لا أعرف، الآن فقط أدركت لماذا لم تستطع أمي شُرب الحليب، وتمنّيت لو تجتمع كل اعتذارات الأرض عندي حتى تعتذر عينيّ اللائمتين من عينيها المقدستين.

تمضي الأشهر الأولى وتأتي مرحلة ثانية أخفّ وطئا على النفس وأدفأ على القلب إذ يبدأ الإحساس بحركة الجنين في الجوف، أحسّ بحركة الحياة. حياة كاملة يعيشها إنسان في عالمي الداخلي، مساحة صغيرة، قلب ينبض غذاء وحركة وشقلبات، يا ترى بماذا يشعر في ذلك العالم؟ المكان مظلم غير أنه لا يرى، فلن يؤثر فيه، يقولون إنه يسمع نبضات قلبي، صوتي، فأحكي معه، أقرأ له وأؤنس وحشته، ولا أدري أحقا هو مستوحش أم أنني مشتاقة لرؤيته وأبحث عن طريقة للتواصل؟!

فحين تجمعك الأقدار بشخص ما، ربما من أول مرة أو بعد عدة مرات تشعر بالارتياح والتآلف الروحي معه، ويفيض من قلبك إحساس يملأ كيانك، فينتقل الشخص من العالم الخارجي إلى عالمك الداخلي، إلى القلب، وأحيانا إلى سويداء القلب، فيولد الحب، فتخيل كيف بإنسان موجود أصلا في عالمك الداخلي، روحه وقلبه جسده وكل ما فيه كيف يكون حبه؟! هذا ما أراه يفسر جانبا من حب الأم لولدها واشتياقها له وحنينها إليه، فالحبيب والمحبوب هنا وحبكة الحب منسوجة من قبل أن تراه وقبل النظرة الأولى.

في جوف الحامل ينبض قلبان ولديها عالمان؛ عالم في الداخل وآخر في الخارج، أحيانا أشعر بالشتات بين هذين العالمين، أنظر إلى العالم في الخارج وأراقب حركته، أفهم بعضها وأحاول فهم الباقي، لكن العالم في الداخل مختلف، فأنا أحسّ بحركته دون أن أفهم شيئا منها، أشتهي أن أفهمها، أي تفسير لأية قفزة أو ضربة أو وخزة! أي تفسير لما يجري في داخلي! أشهر محفوفة بالغموض أعيشها بين الفضول والشوق الخوف والأمل، منتظرة ذلك اليوم الذي يحل فيه هذا اللغز، وينبثق النور، ما أصعب أن يعجز الإنسان عن فهم ما يجري في داخله.

أفتح مصحفي فأقرأ "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين". يزداد قلبي إيمانا ويزداد عقلي استسلاما لعظمة خلق الله، فخلق الإنسان بهذه الطريقة معجزة حقيقية.

بني سيكون مؤلما رحيلك عن جسدي، وقد اعتادت أحشائي على دفء حركتك، لكنني اشتقت للقاءك، فهل أحزن لأنك ستغادرني؟ أم أفرح لأنني سألقاك؟

في الحمل أقوى ما تكون العلاقة مع الله، كيف لا وهناك في لحظة مقدسة ستأتي نفخة من روحه جل وعلا لتهب الحياة للجنين، ما هذا التشريف الذي كرم الله به حواء إذ جعل فيها أول مسكن للإنسان يرسل إليه نفخة من روحه، فتدبُّ فيه الحياة، تلك المرأة الحامل التي تفكر بكل هذا، وتتعرض كل يوم لتغير فيزيولوجي جديد؛ تبدو حساسة جدا، تحب البكاء، وهي غريبة الأطوار لأن أشياء بسيطة يمكن أن تسعدها وتعدل مزاجها، كما يمكن لنفس تلك الأشياء أن تعكرها، ولا يعني ذلك أنها قد تاهت، وإنما هي تحاول بأية طريقة نقل الإحساس الذي تشعر به لمن حولها، مع أنها تدري أنهم لن يصلوا إليه لكنها تحاول.

في الحمل أدركتُ كم هو مؤلم أن تغيب وأنت حاضر، كنت أعشق الخلوة، أن أترك الناس وأجلس مع ذاتي، لكنني الآن لست مع الناس ولست مع ذاتي، فأين أنا؟ أطوي الأيام باحثة عن نفسي ولا أجدها، ربما على الأم أن تعيش مرحلة من الزمن تتذوق فيها مرارة الضياع؛ لتجد لذّة الوجود في نبض جنينها الذي يصارع من أجل الحياة..

وعندما تأتي المرحلة الأخيرة من الحمل يبدو الأمر أصعب، إذ تكون البطن قد ثقلت والنفس بين الخوف والرجاء من ذلك اليوم الذي يقترب، يوم تصرخ فيه الحياة معلنة ولادة فرد جديد، يوم قد يطول أو يقصر، لكنه ربما يكون من أصعب أيام حياتي وأجملها في نفس الوقت، فكم تلتقي الأشياء الصعبة بالجميلة، وكم تجتمع الأضداد في شيء واحد ووقت واحد، فالحب يجمع فينا السعادة والألم والفرح، يجمع الضحكة بالدمعة، والعمر يجمع الزيادة بالنقصان، والإيمان يجمع الخشية والأمان، وكأن الحياة لا تحلو إلا بالتقاء أضدادها.

ثم ماذا عن اعتيادي على الإحساس بلحن الحياة في داخلي، وقد اقترب وقت الرحيل، كم نبكي ألما عند الفراق، ونطير فرحا باللقاء، فماذا إن اجتمعا في لحظة واحدة؛ فراق ولقاء؟ بُني سيكون مؤلما رحيلك عن جسدي، وقد اعتادت أحشائي على دفء حركتك، لكنني اشتقت للقاءك، فهل أحزن لأنك ستغادرني؟ أم أفرح لأنني سألقاك؟