كيف تصنع مريضاً؟

wheelchair
يستهويني علم النفس كثيراً، ويجذبني الكاتب المتمرّس في فك شيفرات النفس البشرية عن علمٍ ودراسة حثيثة، وأميلُ للكتب العبقرية التي تغوص في أفكارنا العقلية وتقرأ دواخلنا واختلاجاتنا بمهارةٍ فائقة، وعندما نتحدث عن كتب علم النفس الأكثر تأثيراً في الإنسانية، يجب أن نعرّج على كتاب "كيف تصنع مريضاً" للكاتب المحترف جورج ويلز،هذا الكتاب الذي سمعتُ عنه وأثار الفضول في نفسي حوله وأكثر ما لفت انتباهي فيه عنوانه الغامض، فهل المرض يُصنٓع فعلاً؟ وهل بإمكاننا تحويل أشخاص أسوياء إلى مرضى حقيقيين..؟
 

لن أطيل الحديث عن هذا الكتاب المهم، ولكن كنبذة تعريفية عنه يمكن اعتباره من الكتب الممنوعة، أو المغضوب عليها في علم النفس، يتجول بنا المؤلف جورج ويلز خبير العلوم السلوكية في سراديب علم النفس الخفية ليطلعنا من خلال كتابه الذي يبلغ 352 من الصفحات، على أسرار علم النفس وخباياه وتقنياته المذهلة في تحويل السلوكيات، وتغيير العقائد تغييرا جذريا، حتى يصل بنا إلى شرح مفصل لأساليب تدمير الإنسان نفسياً.

يقول مثل روسي: لا تُكرر على مسامع إنسان أنتٓ حمار، لربما في المُرّة العاشرة يبدأ بالنهيق! وهذا المثل مهم للغاية إذ لخّص قوة تأثيرنا في البشر من حولنا.

وعرض المؤلف لتاريخ غسيل الدماغ وأنواعه المتعددة وعمليات العصاب التجريبي وتطبيقاته المختلفة على الإنسان حتى يصل بنا إلى الشرح التفصيلي لأكثر من عشرين تقنية مختلفة من تقنيات غسيل الدماغ، وطرق وأساليب الإمراض النفسي للأسوياء، وما أحاول الحديث عنه في مدونتي هذه هو ربط بين عنوان هذا الكتاب الضخم والأمراض التي تفتك ببعض الناس فجأة، حيث أنها في كثير من الأحيان من صناعة الإنسان.

أصعب الأزمات التي قد تواجه المرء أن يكون بكامل صحته وعافيته وقواه البدنية والنفسية والعقلية ثم يعبر في حياته إنسان يدمره تدميراً، ويخلفّه ضائعاً تائهاً فاقداً لكل قوته وقدرته، يتخبط في الظلام لوحده. قوة تأثير البشر في بعضهم البعض هائلة جداً، لكن السؤال المطروح، هل كلنا نتشابهُ في استجابتنا لمحاولة الآخرين التأثير فينا وغسل أدمغتنا والإطاحة بقلوبنا؟ أم أنّٓ مدى نجاح فعالية صناعة شخص مريض، تعتمد في الأساس على نفسيته المتآكلة الهشة، القابلة للكسر والهدم وإعادة التدوير؟

من الأمثال العالمية المشهورة في هذا السياق مثلٌ روسي يقول: لا تُكرر على مسامع إنسان أنتٓ حمار لربما في المُرّة العاشرة يبدأ بالنهيق! وهذا المثل مهم للغاية إذ لخّص قوة تأثيرنا في البشر من حولنا، خُلِقَ البعض فينا ليكون مُرسلاً وآخرُ مستقبلاً، ومن الجدير بالذكر أن هناك اشخاص يستخدمون قوة تأثيرهم الشديدة في الغير لتحقيق مقاصد شخصية، ولتحويل من يقعون تحت تأثيرهم إلى عبيد، يحركونهم كقطع الشطرنج كيفما يريدون. بل ويسببون لهم سلسلة طويلة من النكبات النفسية، من اكتئاب وانفصام وأمراضاً مزمنة في القلب، كأنهم يمارسون معهم ساديتهم المتوحشة ويستمتعون برؤيتهم يتعذبون.

يتحتم على كل إنسان يرى نفسه متورطاً مع آخر يحاول تحطيمه وقولبته حسب مزاجه وأهوائه، أن يقاوم بكل الأسلحة، كل تلك المحاولات الشريرة، ويسعى للخروج من هذه السيطرة التي قد تخلق تغييرات جذرية في شخصيته وطريقة تفكيره، بل وحتى في حالته النفسية والمعنوية، وبالذات أولئك الذين وقعوا في فخ الاكتئاب، وتأثرت قلوبهم من ضغوطاتهم النفسية، وأصبحوا يشعرون أن قلوبهم ماتت من كثرة الأذى، الذي يلحق بهم ممن حولهم.

فمن أكثر الأمور مأساوية أن يظهر الإنسان أمام الجميع مفتوح العينين يتنفس، ولكنه ميت القلب خرير القوى ضعيف جداً، لا يملك أن يدافع عن نفسه وأن يرد الإساءة التي يتعرض لها، هو بذلك اصبح مريضاً فعلاً، وسيفرح بسقوطه الشامتون الذين سعوا بكل الطرائق الممكنة إلى تحويله لمريضٍ عاجز لا حول له ولا قوة.

المقاومة المدروسة لكل وسائل الإمراض النفسي والجسماني التي قد يمارسها ضدنا البعض، لن تنجح إلا في القرب من الله، والإكثار من تلاوة القرآن الكريم، الذي يبعث السكينة والطمأنينة في النفس، ويريح القلب مما علق به من شوائب الغير.

لا يستقيم أن تكون متسامحاً طيب القلب عطوفاً مع من يستمر في تجريحك وتمزيق روحك، غير آبهٍ بالألم الذي يمكن أن يسببه لك، ولقد ذكرتُ في مدونة سابقة "الكنسيولوجيا بمنظورٍ إسلامي" أثر الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة على النفس البشرية وعضلات جسم الإنسان، كذلك هو الحال بأفعالنا وتصرفاتنا تجاه الآخرين، قد نصنع مجتمعاً مريضاً بأكمله، بمجرد كلمة لا نلقي لها بالاً، تترك أثراً عميقاً في القلب لا يزول.

لو تأملنا الأمراض التي تصيب البشر لوجدنا أهم أسباب حدوثها يعود لضغوطات أو مشاكل نفسية، كمرض السرطان، وأمراض القلب والجهاز الهضمي والمناعي والعصبي. وأيضاً في حالات الانتحار، أولى الإجراءات التي يتم إتباعها هو السؤال عن البيئة التي يعيش فيها المنتحِر، من عائلته؟ ومكان عمله وأصدقائه وجيرانه؟ للوقوف على الأسباب الكامنة وراء قتله لنفسه، مما يدل على أهميه الاسرة والمجتمع المحيط في نفسيات الأفراد جميعاً، وللتأكيد على أن كل هؤلاء الأطراف قد يساهمون دون أن يعلمون في صناعة مريضٍ نفسي مُنهك القلب والروح، يختار الموت في النهاية كحلٍّ جذري للأمراض الدخيلة التي اقتحمت حياته فجأة.

المقاومة المدروسة لكل وسائل الإمراض النفسي والجسماني التي قد يمارسها ضدنا البعض، لن تنجح إلا في القرب من الله، والإكثار من تلاوة القرآن الكريم، الذي يبعث السكينة والطمأنينة في النفس، ويريح القلب مما علق به من شوائب الغير، تطوير الذات والسعي نحو صقل شخصياتنا يجعل من الصعب على احدهم السيطرة علينا، وغسل أدمغتنا وجماجمنا، ومحو قناعاتنا وتغيير معتقداتنا، ممارسة الرياضة بشكلٍ دوري منتظم تُسهم في حماية الجسد من كل الأمراض، وتمنح شعوراً بالرضا عن النفس وتفرز هرمونات السعادة بكثرة، التي تعمل على تحسين المزاج، وطرد الأفكار السلبية، وتصنع حاجزاً متيناً بيننا وبين الأشخاص السيئين، الذين يحاولون إسقاطنا وتحويلنا إلى مرضى ضعفاء.

صناعة المرض ليست بالأمر الهيّن البسيط، بل هي كارثة إنسانية وأزمة خطيرة جداً، فالمدمنون على المخدرات أو الأفلام الإباحية أو العلاقات الشاذة، تم صناعتهم بفعل قوى عظمى خفيّة، ليصبحوا المستوردين لسلعهم الرخيصة، الدواعش تم صناعتهم لتدمير العالم ولتشويه صورة الإسلام المشرقة، انفلوانزا الخنازير والطيور ًوالكورونا وأيبولا كلها أمراض تم صناعتها مخبرياً للتسويق إلى أدوية معينة، فلو تأملنا جيداً وتفحصنا الكثيرين من المرضى من حولنا، لوجدنا أنهم كانوا في يوم من الأيام أصحّاء ولكن فيما بعد تمّٓ صناعتهم..!!