رحلة البحث عن العنصرية

blogs - مسافرة
في سبيل العلم شاءت الأقدار أن أجد نفسي زائرة لعاصمتين أوروبيتين، باريس وبركسل. كلكم يعرف أن سفرة فتاة لوحدها يثير جدلا في المجتمع الإسلامي، لكنني تحديت ذلك وسافرت واكتشفت أوروبا، وجه آخر عن أوروبا، وجهها الحقيقي. الصورة العامة المقدمة للعالم عن وضع المسلمين في أوروبا والدول العلمانية عامة، صورة سيئة، من تميز عرقي، عدم احترام مبادئ الدين الإسلامي والتشديد على كل من يتمسك بها.

أول يوم في أوروبا، أنا وخارطتي نبحث عن الشقة التي استأجرت فيها غرفة، فتاة مسلمة محجبة تمشي في الشارع، تركب المترو، وعلى حقيبتها مكتوب اسم بلدها، كل الشروط متوفرة لتلقي بصدر رحب تصرفا عنصريا إذا سألت من فضلك دلني على الشارع الفلاني، لكن الحقيقة غير ذلك، شاب يقدم لي المساعدة قبل أن أطلب، سألت بنتا وأباها عن الشارع، فأوصلاني للمنزل ولم يذهبا حتى جاءت صاحبته. عندما شكرت الرجل قال لي: أنا أساعد الناس لأنني دائم الحاجة للمساعدة.

وانطلقت يومياتي في أوروبا، تحديدا في باريس، كانت يومياتي تتمحور حول الدراسة في المخبر وزيارة المدينة في العطل الأسبوعية، سواء كانت زيارة معلم تاريخي أو متحف أو حتى التجوال في الشوارع للاحتكاك أكثر بالمجتمع. رأيت أن الناس تتعايش مع بعضها البعض بسلام. شاهدت شلة أصدقاء من ألوان مختلفة. وولد ينتظر صديقه الخارج من المسجد. الخباز الفرنسي أخبرني أن الكعكة التي طلبتها تحتوي خمرا ونصحني بأخرى. قابلت الكثير من الناس وتعاملت مع العديد منهم. حتى اللحظة لا وجود للعنصرية في الجو.

الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. تصرف عنصري من شخص ما في بلد ما ليس دليلا على مجتمع يتصف بالعنصرية.

كل من يعرف أني من السواح يرحب بي ويتمنى لي زيارة طيبة، يسألونني عن بلدي عن ديني بدافع حب المعرفة وإثراء ثقافتهم، فوجدت نفسي يوما أعطي وصفة من الطب النبوي لامرأة فرنسية يعاني ابنها من وجع في الأسنان.

أحببت إقامتي في باريس، أحببت تعامل المجتمع الفرنسي معي، أحببت أكثر تعامل المسلمين فيما بينهم فأغلبهم يفشون السلام علي، أكان ظاهرا في وجهي أني جديدة في المنطقة؟ وبنفس الروح المرتاحة أخذت الحافلة متجهة لقضاء أيام في بركسلن المدينة التي اطمئن لها قلبي، بركسل المضيافة التي تفتح للزائر صدرها. مدينة صغيرة المساحة بمعالمها الكبيرة والثرية بالأصلة التاريخية والثقافية. لم يكن من الصعب إيجاد مكان البيت المستأجر هذه المرة، وما أثار انتباهي وأعجبني وأبهجني، هو رب الأسرة من أصل آسيوي، الذي دلني على قبلة الصلاة في الغرفة المخصصة لي قائلا: لقد سألت جيراني المسلمين عن القبلة عند قتراب موعد زيارتك لنا.

بتجولي في أرجاء المدينة لاحظت أن الإسلام أخذ مكانة بارزة هناك، تواجد المسلمين ظاهر بقوة في المشهد، فالتأقلم فيها سريع، ففي غضون أسبوع صرت أتنقل بشوارعها كشخص عايش المكان لسنوات، مما جعل سواحا يسألونني عن مكان المترو يوما، كنت جالسة في حديقة أستمتع بقراءة كتاب، لحسن حظهم دللتهم على وجهتهم.

في بلجيكا زرت أيضا لوفان-لا-نوف، المدينة الجامعية المحاذية لبركسل، وللمرة الثانية لم أجد العنصرية في هذه المدن، اختلفت جنسية الطلاب والأساتذة ووحدهم العلم، الكل يساعد ويسدي خدمة يشرح ويناقش فكرة.

الإسلام دين السلام، وهذا هو السلام بعينه، التعايش مهما اختلفنا واختلفت أفكارنا، حزنت كثيرا لما جرى من أحداث وطرأ من تغيرات في فرنسا وبلجيكا، اندثر السلام في مكان عرفت فيه مجتمعا ينبض بالطيبة والرحمة.

الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، تصرف مشين من مسلم ما في بلد ما ليس دليلا على فساد مجتمع وأمة كاملة. الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. تصرف عنصري من شخص ما في بلد ما ليس دليلا على مجتمع يتصف بالعنصرية.



حول هذه القصة

شاكر عامر5.JPG

من بريطانيا بدأ مسلسل معاناته عندما قرر الهجرة منها بسبب ما وصفها بالمضايقات العنصرية، وانتقل إلى أفغانستان لتتلقفه أيادي العصابات المسلحة وتسلمه للاستخبارات الأميركية، فينتهي به الحال في سجن غوانتانامو.

Published On 22/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة