ماذا يحدث في سوريا؟!

blogs - سوريا

منذ بداية الخلق إلى وقتنا الحالي طُرحت مئات بل آلاف الأسئلة عن سبب وجودنا وعن شكل السماء وكروية الأرض والقمر والنجوم وعن الله ووجوده! ولا شك أنه كان لجميع هذه الأسئلة أجوبة تشفي صدور سائليها، كُنت أتساءل يوما في نفسي هل هناك ما يصعب الإجابة عنه؟ أَيُعقل أنّ لكل سؤال جواب!  لم أدرك أسالتي هذه تماما حتى بدأ عام 2011 حاملا معه شرارة عظيمة لمع بها الأفق من درعا جنوبا إلى حلب شمالا.

 

لم نكن نعتاد رؤية جموع بشرية حاشدة إلا في خطابات لبعض المسؤولين أو لمسيرات مؤيدة وفي الحالات الاجتماعية عند الأعراس او العزاء! أما مظاهرات!! فهذه الكلمة كانت شبه معدومة من قاموسنا بل كُنا لا نجرؤ على ترتيب أحرفها في مخيلتنا ولو كنا في منزلنا وبين الحيطان الأربع، التي لطالما سمعناها من آبائنا في كل مرة نحاول التحدث فيها عن شيء من السياسة يقاطعوننا مسرعين بكلمة (الحيطان ألها أذان!) وللأسف نشأنا وهذه الكلمة تصارع أذاننا ليل نهار. يوم الجمعة وصيحات الله أكبر عنوان سوريا الجديد فقد كان الناس ينتظرون الانتهاء من الصلاة ليخرجوا مسرعين مطالبين بجزء بسيط من حقوقهم وأمنياتهم ضاربين كل ما تربينا عليه من خوف عرض الحائط.
  

مهما امتلأت الأرض ظلما ومهما صار الناس وحوشا يظل هناك أناس شرفاء طيبين يتربصون الوقت المناسب للظهور ومساندة المظلومين.

لم تكن المطالب في البداية إلا إصلاح ورفع الظلم والضغط الأمني عن الناس، فقد صدعوا رؤوسنا في المدارس بشعارات الوحدة والحرية! والاشتراكية، وحُق لنا أن نرى تلك الحرية بأعيننا ونتنفس هواءها، ولكن غاب عن عقول الكثير أن الجلاد لن يسمح للسجين بالحرية ولن يعطيه أدنى استنشاقه أوكسجين أو إشراقة لضوء الشمس. فقد كان الرد فوق الخيال وتفاقمت الأمور أكثر فبدأت درعا تشتعل لهبا رآه أهل الغوطتين في دمشق فأسرعوا لنجدتهم والمطالبة برفع الظلم عنهم فما كان من الجلاد الا أن صب جام غضبه عليهم أيضا وبدأت النيران تلتهب في جسد سوريا الحبيبة وهنا بدأت أسال نفسي ماذا يحدث في بلدي الحبيب؟ ففي كل يوم تنتشر التظاهرات بمحافظة جديدة وتتوسع الاحتجاجات متزامنةً مع القمع الشديد والاعتقالات التعسفية واستمرت الأمور لعدة شهور لم يكن هناك أي سلاح.

 

مهما امتلأت الأرض ظلما ومهما صار الناس وحوشا يظل هناك أناس شرفاء طيبين يتربصون الوقت المناسب للظهور ومساندة المظلومين، فبعد مضي حوالي ٧ أشهر بدأت ولادة جنين صغير غير مكتمل لكنه رفض البقاء في ذلك الرحم النجس الذي وطئ به الاف الزناة!! بدأ بعض الشرفاء بالانشقاق عن الجيش والأمن لأنهم لم يحتملوا مشاهدة أهاليهم تُقتل وتُعذب فقط من أجل بعض الحرية! وهنا بدأ الصراع يكبر وهنا بدأ سؤالي يتكرر ماذا يحدث في سوريا؟

 

كانت كل مدينة تقوم منفردة لوحدها صارخة بوجه النظام ارحل عنا! ولكن هل كان ليستجيب هكذا! فهذا بمفهومه ليس مطلب ولا حرية وإنما إرهاب!! فبدأ الاعلام بالترويج لوجود إرهابيين في سوريا وإن لم يتم السيطرة والقضاء عليهم فسوف يعيثون في الأرض فسادا وكأنه هو يعيث في الأرض عدلا وقسطا!! يؤسفني عندها مواقف معظم الدول العربية، لم نكن نعول كثيرا على الغرب فنحن نعلم يقينا أنهم لن يساعدونا وأن ساعدونا فذلك لمصالحهم قطعا.
 

بعد وضوح غلو المنظمات التي تدعي الإسلام وتطرفها الشديد وفرض قوتها على الناس هذا كله ساهم بتفككنا وعدم التوحد وأصبح كل قائد يريد ادارة منطقته بنفسه، عادت العصبية القبلية الجاهلية لنفوس معظم الناس.

ولكن تخاذل العرب أجبرنا لطرق باب الغرب، والمثل الشهير عندنا (من يطرق الباب يجب أن يسمع الجواب)، لم نكن نتوقع أن أجوبتهم خبيثة لهذه الدرجة، فلطالما سمعنا عن حقوق الانسان والحيوان! فأصبحنا نحدث أنفسنا بأنه لا شك أنهم سينصفوننا وسيقفون مع هذا الشعب المسكين، فبعد احتدام المعارك وكثرة القصف وضياع الناس وفقدانها تحت أنقاض بيوتها بدأت بالمطالبة بمكان آمن أو حظر طيران، فأسرع حقوقيو الإنسان لعقد اجتماعاتهم الطارئة وبحث هذه الكارثة وبدأ التصويت وهذا يؤيد والثاني يعارض وذلك يستخدم حق الفيتو، وفي هذا الوقت في كل دقيقة شهيد وجريح! ولا أحد يكترث، ثم يخرجون بقرارات سوف نرسل شحنات غذائية وأدوية!! متجاهلين احتياجات الشعب الأساسية ألا وهي مناطق آمنة.


اشتدت الحرب وتوسعت رقعة الأراضي المحررة وقوة ذلك الجنين ذو السبعة أشهر وبدأ السوريين بالالتفاف حول بعضهم وأدرك الناس أنه لن يكون لنا معينا إلا الله وحده، وأصبح يُدرك اللعبة بعض الشيء، لكن الغرب محال أن يدع الشعوب العربية بحالها فبدأ بخلط الأوراق كثيرا وبإظهار تنظيمات جديدة تحمل أسماء اسلامية لم تكن سوى حجة لتدخلهم في بلادنا، لا أكون كاذبا إن قلت أن السوريين لم يفرحوا في البداية ببعض هذه التنظيمات لأنهم شاهدوا كل أنواع الخذلان من العالم فتوسموا خيرا من هؤلاء الناس علهم أن يذبّوا عنهم قليلا ويساهموا في نصرتهم.

 

ومع بداية عام 2015 بدت الأمور واضحة تماما بعد دخول شذاذ الآفاق من المليشيات الطائفية من كل بقاع الارض لقتال هذا الشعب المسكين، وبعد وضوح غلو تلك المنظمات التي تدعي الإسلام وتطرفها الشديد وفرض قوتها على الناس هذا كله ساهم بتفككنا وعدم التوحد وأصبح كل قائد يريد ادارة منطقته بنفسه، عادت العصبية القبلية الجاهلية لنفوس معظم الناس، فبدأ ذلك الجنين بالضعف وأصبح هزيلا وخسر الثوار مناطق كثيرة، ولله كل ذلك بسبب عدم التوحد، وبسبب الانشغال في الدنيا ومناصبها والابتعاد عن الهدف الاكبر (الجهاد في سبيل الله ورفع الظلم) هنا بدأت الفوضى وهنا ضاع الناس.

 

أصبح كثيرون يرددون ليتنا لم نطالب بشيء، ليتنا بقينا صامتين، أصبحنا فعلا لا نجد جوابا لما يحدث؟ ولكن عندي يقين بأن ما يحدث فيه خير عظيم من الله، هو منحة في صورة مِحنة، هو تطهير لنا من ذنوب اقترفناها حسبناها هينة وهي عند الله عظيمة، في النهاية نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. هذه المقولة لأمير المؤمنين عمر أذكر بها الشعوب العربية كلها، علهم يستفيقوا تماما من غفلتهم لكيلا يصيبهم الذي أصابنا.