شعار قسم مدونات

ألحان المعاصي تعزف التوبة

blogs- الدعاء
هل تتذكر ذلك اليوم بكامل تفاصيله.. إنه اليوم الذي راودك فيه صوتٌ خفي "إنها صغيرة افعلها" أو إنها مجرد تسليه فقط لا غير! تذكرتها صحيح؟ وتذكرت معها الآن لهيب الندم الذي ما بعد المعصية بساعات أو ربما دقائق أو لحظات تماما..
 

تذكرت كيف أن فعلتك لازالت تحطم تعجرف ذاتك التي ظننتَ ولو لمرة أنها من أفضل خلق الله، وأيضا تذكرت كل لحظه من اللذة والمتعة وأنت تقوم بها وكلِ زفرةٍ وكلِ غيظةٍ وكلِ ثمرةٍ سلبية أُحدِثت بعدها، وأولها نيران الندم التي تشتعل مع كل شهقة من أنفاسك وما لبثت إلا وألحقتْ بك تلك الغُصة التي في أعماقِك فتظهر وتتفشى كلما تذكرتها، فما تجدُ إلا لسان حالك ينطق "يا ليتني مِتُ قبل هذا وكنتُ نسيا منسيا" ليس لشيء إنما تتمنى لو لم يرها الله فيك ولم تكتب عليك!
 

يا لها من ذكرى تغرس خناجر الندم في قلبك كلما أتتك، فيُدمي هذا القلب وتدمع تلك العين ويرددُ ذاك اللسان "يا نفسي استغفري لذنبكِ إنكِ كُنتِ منَ الخاطئين" وهذا حالنا عندما نعصي الله كحال الغراب حين أمره نوحٌ عليه السلام بأن يستطلع الأرض إن كانت ابتلعت الارض مياهُها فأغرته وفتنته جثُث الموتى ونسى ما أٌرسل لأجله، أما نحن فنعيد ونكرر هذه الفتنة التي فُتنا بها فما هناك من عاصي إلا ومفتونٌ فيما يصدُ بهِ عن الله، فوالله التائب بعد توبته يتعجب مما كان يفعله وقت عصيانه!

ربي أتيتُك وقد خاطبتُ نفسي سلامٌ عليكِ سأستغفر لكِ ربي أنه كان بي حفيا وأخدتُ على إصري بأن أكون عبدا ربانيا تقياً نقياً خفياً.

ولكن عندما تصبح الصغيرة من الكبائر لتكرارها عندها تشعر أنكَ تعديت على أمر الله وتبقى نار الندم تكوي أنفاسك وتقهر نواياك وأفكارك بفعلتك ! وتبدأ بحالة من الغثيان لفعلتك المريرة، وقد بدأت للتو بدوامة الندم التي تعصف بك من حينٍ لآخر فتنظر بعينٍ أُخرى فترى من ترى قلبه معلق بالله تغبطهم تشعر باشمئزاز خطيئتك التي اقترفتها أمامهم وهم قابضون على جمر دينهم.
 

الآن يا نفسُ يبدأ ذاك النزاعُ الداخلي لتقاوم كل فعلةٍ وكل خَطرةٍ وكل فكرةٍ تأتيك بالعصيان، ويبدأ عصيانُ النفسِ أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى، الآن سأُخرجكِ يا نفسُ من غياباتِ الجوب وظلمات المعاصي ومن بقايا المآسي، فانتفض أيُها الفؤادُ من الداخل أقبض على تلك المُضغة ونّقيها من الدنس في سجودٍ بأعماقِ الليالي وتهجد وناجي من يملك هذا القلب وليتعالى صوتك المخبوءُ في حجرتك المعتمة.
 

وتقرب إليه نجيا أخبرهُ عن معاصيك كلها، وقل ها أنا ذا أعترف يا من بالرحمةِ قد وصفا بذنوبي وزلاتي وغدراتي اليوم قبل يومَ أن ألقاك فردا، خاطبه وقل "اعفو يا مالك العفو عن بشريتي" يا رب العبد أتعاملُ عبدا بنقصانه أم بكمالك، ام أيُ ذنبٍ هذا هو أعظمُ من عفوك؟ ورحمتُك وسعت كُل شيء ورحمتك لا تنفذ ومعصيتي لك ما ضرتكَ ولم تنقص في ملكك شيء، أيا ربَ الكمال أتًغلقُ الباب وتطردني فمن غيرك أرتجي وإلى من تكلني، أتكلني إلى نفسي التي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا؟ ربي ضاقت علي الأرض بما رحبت أكثر مما ضاقت على الثلاثةِ الذين خُلِفوا وعلمتُ يا ربي أنه لا ملجأ منك إلا أليك فلا تردني..
 

يا ربي سألتُك الهدى وما الهدى إلا بك ومنك وإليك، ربي إن كان ذكري فيمن عندك ميتا فأحيه واجعل لهذا العبد التائب نوراً بنوركَ يمشي به في الناس، ربي هذا حُبك أيقظني، هذا هو صوتُ الأنين هذا هو صفاء قلبي لك يهطل بأقوى من غزارة حبيباتِ البرد، أتعبني شوقي لك أتعبني حبٌ في قلبي سرمدا وصوتٌ في قلبي ترددا.. عصيتُ وإليك أعودُ مجددا، هذا كتابُك يبعثُني لأبحثَ عني، عن نفسي أنا..
 

ربي أغّرني في الله الغرور، خَذلتُ كاهلي وحمّلتُها وزراً من أوزار القوم، أغرنّي وكاد إيماني يذوب وقلبي يتحطمَ، رباه تسمع أنينَ عبدٍ يتخبطُ ويطرُقُ بابكَ، رباه خانتني نفسي وإليك المشتكى.. وذنوبي ومنها يا ربِ استحييت فهلا قبلتني وجعلتني ممن اصطفيت واجتبيت؟

حين أعلنت التوبة وأقلعت عن الذنب شعرت أنت كأن الله أعاد ترتيب تبعثرك ومزايا الإيمان لك، فقل لنفسك حينها "الآن يا نفسي الآن".

رباه حتى لا تكون رياءً أخفيتُ عُزلتي اليوم لك وتتطرقت إليك وإلى محرابك مناجيا فالعبدُ عبدٌ ماله من حيلةٍ والربُ ربٌ جليلٌ كريمٌ رحيمٌ شافيٌ للعليل إذا انتهى، فوالله إني يا عليم انتهيت! ربي أتيتُك وقد خاطبتُ نفسي سلامٌ عليكِ سأستغفر لكِ ربي أنه كان بي حفيا وأخدتُ على إصري بأن أكون عبدا ربانيا تقياً نقياً خفياً، ربي كما أدخلتني هذه الدنيا مدخل صدق أخرجني منها مخرج صدق..
 

فماذا لو: جعلت من نفسك بعد التوبة مسلما غيرَ أيُ مسلم، بل مؤمناً أكثر من مسلم أو أن تكون عند الله شخصاً يختلف عن أيٍ من خلقه أو جعلت نفسك مذكورا فيمن عنده أو حتى أشعلت غيرتك وغيظتك لمحبة الله "فماذا لو أحبك وفاخر بك الله، فلا تجعل المعاصي والذنوب تنسيك صراطك المستقيم ويومك الموعود وعهدك الموثوق وربُكَ المعبود وقوله تعالى "أليسَ الصبحُ بقريب".

 

تُب إليه وسترى أن شيئاً فشيئاً ستبدأ بعشق نفسك، تدلل حواسك وروحك تبدأ تمتلئ بالله، فيعطيك الله الطمأنينة بنفسك التائبة إليه حين تحيد بحواسك على المعاصي والذنوب، وكذلك البشر وتسخرها للحق.. للطريق الذي لا يراه الكثيرون يتسلل لحياتك "الهدوء، الراحة، الرضا، الأمل".
 

فحين أعلنت التوبة وأقلعت عن الذنب شعرت أنت كأن الله أعاد ترتيب تبعثرك ومزايا الإيمان لك، فقل لنفسك حينها "الآن يا نفسي الآن" فإذا عسعس الليل أسري بنفسك إلى تهجدك له وأعلنها توبة تزداد نفسك جمالاً وتألقا.. واشكر الله على آلآئه التي أنعمها عليك لأن التوبة أكبر نعمه هُديت إليك قبل قَطعِ أنفاسِك، وأجمل علاقة هي علاقة العبد بربه وعزلته إذا اعتزل له.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.