أسئلة الحب

blogs- الحب

والمقصود هنا هو الحب بين الجنسين، فمن اختيارات العقل المعاصر أن الحب إذا أطلق، قصد به الحب بين الجنسين! ومن أسئلة الواقع الملحة، هو التناول الشرعي والعقلي لهذا الحب متى يكون محمودا ومتى يكون مذموما، وكيف يمكن أن يكون مذموما، وهو أمر اضطراري لا اختيار فيه. ولجودة النظر في هذا، لابد من تفصيل وتقسيم، فالحب إما أن يكون بين زوجين وإما لا، وهذا الثاني إما أن يكون على طريق الزواج، وإما لا، فهي أقسام ثلاثة:
 

الأول: الحب بين الزوجين؛ فهو محمود مأمور به ومنهي عن ضده، كما قال عليه السلام "لا يفرك -أي لا يبغض- مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقٌا رضي منها آخر" وهي وصيةٌ رائقة، تحث على المحافظة على حبل الود كيفما كان الحال بين الزوجين، فإن كره من زوجه شيئا تَفَكَّر في غيره من المحاسن لضرورة الإبقاء على حبل الوُدِّ، وسبب حسن هذا الحب هو جودته وأصالته مصدرا ومآلا.
 

الحب له أسباب اختيارية منها ما هو حسي كنظر العين والمخالطة في العالم الحقيقي أو الافتراضي، ومنه المعنوي وهو تفكر النفس والتفاتها للمحبوب، ومن هذه الجهة فهو يصلح للدخول تحت التكليف الشرعي.

أما من حيث مورده فهو وُدٌ مترتب على كمال المخالطة بين شخصين لا يملك أحدهما فيها التصنع والتخفي، كما قال تعالى "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" فمثل هذا الوُدُّ هو حُبٌ بريء من التصنع والزيف، كما أنه مركب إنساني من أسباب حسية وأخرى معنوية وأخلاقية. أما من حيث مآله، فهو مادة البناء التي يترابط بها البنيان الأسري، وهذا البناء دائما يحوطه الشرع بحراسة مشددة، لمركزيته في المجتمع الرشيد.
 

أما الثاني: وهو الحب على طريق الزواج، أي المؤدي إليه والحامل عليه، فهذا أيضا قد ذكره الشرع وأَقَرَّه ولم ينكره، كما في قوله تعالى "عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ" والمقصود: الرجل يذكر المرأة في نفسه يريد خطبتها وهي في العدة من زواج آخر، فلم ينكر الشرع عليه هذا الذكر، وإنما أنكر عليه التصريح به في العِدَّة، وأباح التعريض، وهذا من كمال الرفق ومراعاة المشاعر، فلم يأمره الشرع بحبس ما في نفسه ولو في مدة قصيرة، وإنما أباح له شيء من التعبير عما في نفسه من حب الوصال. وهذا القسم، وإن كان لا يحمل الأصالة والتركيب الذي في النوع الأول، ولكنه خطوة إليه، ولذا لم يكن مذموما، بل أقره الشرع لجودة مآله.

أما القسم الثالث: فهو محل النزاع ومعترك الأقوال، وهو الحب الذي لا يمكن ترجمته وتصعيده إلى زواج، لموانع تحول دونه، وأشهرها أن تكون المرأة المُحِبَّة أو المَحْبُوبة متزوجة، وكذا تعنت الأولياء ونحوها، فهذا النوع لما لم يكن في حكمه تصريح شرعي، اضطربت فيه الأقوال:
 

1- فطرف سماه "زنا القلب" استدلالا بحديث "العينان تزنيان وزناهما النظر" ووجه الاستدلال أن العين حين التفتت ونظرت إلى غير المقدور عليه شرعا، سُمِّي فعلها "زنا العين" فبالقياس يكون نظر القلب إلى غير المقدور عليه "زنا القلب"، وهذا القياس يمكن النظر فيه بالتفريق بين عمل العين، وهو عمل اختياري متحرك بالإرادة، وبين الحب، فهو عمل تضعف فيه الإرادة والاختيار ويغلب عليه الاضطرار، ويمكن الاستدلال على ذلك -مع الاستبطان- بقوله تعالى "وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ" قال الطبري: يعني: لن تطيقوا، أيها الرجال، أن تسوُّوا بين أزواجكم في حُبِّهن بقلوبكم حتى تعدِلوا بينهنّ في ذلك.. لأن ذلك مما لا تملكونه، وليس إليكم. فلم يوجب الشرع على متعدد الزوجات أن يعدل بين أزواجه في المحبة، وهي إشارة واضحة إلى غلبة الاضطرار على محبة القلب، ومنه يتبين ضعف هذا القياس.

2- وعلى الطرف المقابل، لاحظ آخرون هذا الجانب الاضطراري فرفعوا الحَرَج بالكلية عن المُحِبِّ، حتى لو كان طريق محبته مسدودا لا يمكن تصعيده إلى زواج، وخرجت فتاوى لا ترى تَثْرِيبًا على من يحب مُزَوَّجَةً، أو من تحب غير زوجها طالما لم ت/يفعل مُحَرَّمًا. وهذه الوجهة أيضا يَعُوزها التحقيق، لأننا رأينا بعض الأمور الاضطرارية تدخل تحت الأمر والنهي الشرعي، كقول النبي -عليه السلام "لا تغضب" و"لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ".
 

والتحقيق أن هذه الأمور الاضطرارية كالغضب والمحبة يمكن أن يدخلها الأمر والنهي لا من جهة نفسها ولكن من جهة الأسباب الاختيارية التي تؤدي إليها، أو المآلات التي تحصل منها. كما قال الخطابي: معنى قوله "لا تغضب" اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه. وقال الشاطبي: إذا ظهر من الشارع القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة العبد فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه.
 

فهذا الحب له أسباب اختيارية منها ما هو حسي كنظر العين والمخالطة في العالم الحقيقي أو الافتراضي، ومنه المعنوي وهو تفكر النفس والتفاتها للمحبوب، ومن هذه الجهة فهو يصلح للدخول تحت التكليف الشرعي، قال ابن القيم: فصل النزاع أن مبادئ العشق وأسبابه اختيارية داخلة تحت التكليف، فإن النظر والتفكر والتعرض للمحبة أمر اختياري.. وهذا بمنزلة السُّكْر، فإن تناول المُسْكِر اختياري وما يتولد عنه السُّكْر اضطراري.

أما إذا أحب النساء الأجانب، فهذا الحب متضمن للمحبة الحيوانية، والمحبة الحيوانية مما يبغضها الله ويمقتها، وتوابعها منهى عنها.

-فصل النزاع:
بقي السؤال: هل هذا الحب في جانب المدح أو الذم؟ ويمكن الجواب على هذا بالنظر إلى المورد والمآل كما فعلنا في القسم الأول. فبالتأمل لهذا الحب نجده على الضد من الأول، فمن حيث مورده، فليس فيه أصالة ولا تركيب، فليس مترتبا على المخالطة التي تُضَادُّ التصنع والزيف وتَنْفُذ للطبائع والحقائق، بل كثيرا ما يكون مترتبا على محبة الصورة الحقيقية أو حتى المتخيلة في حالة العوالم الافتراضية. وهذا ما يجعله أيضا حبا واحديا لا يحمل تركيبا إنسانيا، فالإنسان ليس مجرد مادة أو صورة، بل هو ظاهرة مركبة من المادة والمعنى والقيمة الأخلاقية، فالالتفات إلى مادته دون حقيقته تبسيط مخل.
 

أما من حيث مآله، فهو مؤدٍ إما إلى التوصل إلى المحبوب بأنواع من المنهيات، كالنظر والخلطة وربما الفاحشة، وإما كتمانه في القلب، وتَجَرُّعِ الآلام النفسية المُقْعِدة عن الفضائل، أو المُوجِبة لسوء مخالطة الزوجة/الزوج المباح، قال ابن القيم على لسان الذَّامِّين للعشق: وكم أَكَبَّت فتنة العشق رؤوسا على مَنَاخِرِها في الجحيم وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم.. .وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين.

ولقد أجاد ابن تيمية التعبير عن هذا، فقال: أما إذا أحب النساء الأجانب، فهذا الحب متضمن للمحبة الحيوانية، والمحبة الحيوانية مما يبغضها الله ويمقتها، وتوابعها منهى عنها مع ذلك سواء كان مع المحبة فعل الفاحشة الكبرى أو كانت للتمتع بالنظر والسماع وغير ذلك. فسماه المحبة الحيوانية نظرا إلى مصدره الملتفت للصورة المفتقر للتركيب، ثم تحدث عن سوء مآله المنهي عنه، وهذا من أحسن البيان..

 وعليه فهذا الحب ليس محمودا، بل في جانب الذم من جهة مورده ومن جهة مآله، وينبغي على المكلف التخلص منه بأخذ الأسباب المضادة له بقطع النظر والفكر في المحبوب ونحو ذلك. فإن غلبه حتى عجز عن دفعه فكتم في نفسه وعَفَّ عن الحرام، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فهذا في محل العفو والصفح الإلهي.