شعار قسم مدونات

نُتفٌ من تاريخ الإرهاب الأول (2)

blogs - زياد ابن ابيه

قليلةٌ هي الأحداث التي تنطبع في الذاكرة، على الرغم من كثرتها في حياة المرء على اختلافها، ومما أذكر في هذا السياق، تلكم الأمسيات الرمضانية، التي كانت تحفل بها مجالسنا في أرض الوطن، إذ كان ينقسم المجلس إلى فئتين، ثم يقوم شخصٌ آخر لا يمت لأي من الفئتين بصلة بطرح الأسئلة الثقافية، أسئلةٍ في السيرة النبوية، وفي التاريخ، وأبوابٍ أُخر. كُنا نحرص على اقتناء كتبٍ خُصِّصت لهذا الغرض، تتمثل في أسئلةٍ وأجوبةٍ، فنحفظها، دونما خلفيةٍ معرفيةٍ وراء كل إجابةٍ، إلا أن الشعور بالفخر عند الإجابة على السؤال كان سيد الوعي الذي يفتقده الكثير منا، حتى إذا ما شبّينا عن ذلك الطوق، وذهبنا في نبش مكتبتنا الإسلامية العتيقة وغصنا في أعماق تلكم الكتب، أُصِبنا بخيبة الأمل، ذلكم الأمل الذي كان يصوِّر على سبيل المثال زياد بن أبيه قائداً محنكاً، ذاد عن حمى الدين، وأرخى المناقِب على قِباب المساجد. لم يحدثنا التاريخ عن ذلكم التصوّر الجميل، ولم يراع فينا برد البراءة التي حاولنا أن نرى بها أولئك الغلاظ الشِّداد. 

لعلّنا ملزوزون ككُتّاب، ومحوجون كجيلٍ في القرن الواحد والعشرين، لصنع مشكاةٍ تُضيء الشق المظلم في تاريخنا، كي نفهم من خلاله حاضرنا، وكي يتخفف من الانتفاخ والانتباج من لم تطرح عليهم تلكم الأسئلة الثقافية بعد دونما مخزونٍ ثقافي عمَّا ورائِها، أو بمعنىً آخر كي لا يقعوا فيما وقعنا فيه من انتفاخ وانتباج من قبل، على أن معظم الذين لا يقرأون يتمسكون بأستار الأمجاد الماضية، ويُثرِّبون على الباحث، إذا ما مس روح الحقيقة، لأنه في الحقيقة يمس أرواحهم الواهمة. 

إن الجامع المشترك بين زياد ابن أبيه و أدولف هتلر "هذين الإرهابيين" يعود إلى عقدة النقص التي لازمتهم، تلكم العقدة الخطيرة المسماة "بالنسب".

ذكرنا في المقالة السابقة نُتفٌ من بطش الحجاج والمهدي وابنه الرشيد؛ وغيرهم. وللملاحظة كي لا يسرح أصحاب الروح المتوعكة فيما لا نقصد، فكتابتنا عن تاريخ الإرهاب الأول لا يعني دحض المآثر الجليلة، كما أننا لسنا مؤرخين فيما نكتب حتى نورِد المحاسن والمقابح، فإيراد المقابح وضديدها من اختصاص المؤرِّخ وليس من اختصاص الباحث في مسألة بعينها. 

بطل مقالتنا داهية من دهاة العرب، أو كما يحلو للبائسين تسميته، أو بمعنىً آخر: داهية ليس لها من واهية. عن زياد ابن أبيه أحدثكم. أعني بالبائسين أولئك الذين يطربون للكلمات المسجوعة كخطبة البتراء، ولا يكترثون لهدم الإنسان والعمران، "الإنسان بنيان الله ملعونً من هدم بنيانه". حديث. مما يستطيب ذكره ههنا قول الحسن البصري في الحجاج، "ما سمعت الحجاج يخطب إلا وظننت أن أهل العراق يظلمونه".! وينسحب هذا القول على زياد وأمثاله من الخطباء والبلغاء الطغاة. 

نتحدث عن هذا(الداهية)، بإزاء(داهية)آخر من دواهي القرن العشرين؛ زياد بن أبيه بإزاء أدولف هتلر، ثم العود بعد المقارنة إلى زياد وذكر نُتفٍ من مواهبه الإجرامية، لأن حديثنا منصب على تاريخنا، وما استدعاؤنا لهتلر إلا لما وجدناه من نقطة مركزية خطيرة متقاطعة بين الشخصين. 

إن الجامع المشترك بين هذين الإرهابيين يعود إلى عقدة النقص التي لازمتهم، تلكم العقدة الخطيرة المسماة "بالنسب"، فزياد لا يُدرى من أبوه، حتى الحقه معاوية بنسب أبيه أبي سفيان، وأتخذه والياً له على العراق، البصرة ثم الكوفة بعد وفاة المغير بن شعبة، فأظهر إبداعاً إرهابياً قلَّ نظيره، وقد نتج عن ذلك الإبداع الكثير من الجرائم التي استنّ بها الطغاة إلى يوم الناس هذا.

كذلك هي عقدة النسب عند أدولف هتلر؛ الذي كان أبوه نغلاً، وكان اسمه أوليس، إلا أنه أطلق على نفسه لقب هتلر، بعد إذ لم يكن يعرف من أباه. هذا العامل – على أن هناك عوامل أخرى لا شك- كان بمثابة المحرك الرئيس لإحراق الملايين من اليهود، واحتدام العالم في حربٍ عالميةٍ ثانية لم تُبقي ولم تذر. أتحدث ههنا عن العامل السيكولوجي والعامل البيولوجي، لا عن العامل السياسي أو الاقتصادي ونحوهما، وإن كان يراودني اعتقادٌ فحواه أن العامل السيكولوجي والبيولوجي يقومان غالباً بعملية إسقاط على كِلا الحقلين وإن تلبّسن لبوساً قشيبة فيما يظهر للناس.! لست بصدد سردية الإرهاب الهتلري إن جازت العبارة أو الإجرام الغربي على عمومه، إنما الغاية إيضاح نقطة المقارنة المركزية، بين هتلر وزياد بن أبيه، التي ندير مقالتنا هذه عليها، وما تمخض عنها من مبادئ إرهابية خالدة. 

في كتاب تاريخ الأمم والملوك للإمام الطبري، نقف على مشهدٍ تراجيدي، وفي مخيالنا طغيان الشر على الخير إذا ما تجاورا، وتقديم الأُولى على الأُخرى في السياق القرآني " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا " متحدثاً عن النفس، إذ يقوم وكيل زياد على البصرة وهو الصحابي سُمرة بن جندب بإعدام ثمانية آلاف من أهلها، وذلك تطبيقاً لمبدأ زياد في القتل.! 

"قتل النساء" فقد سجل ما يمكن أن نسميه "ببراءة الاختراع الدموية" لم يسبقه أحد إليها من قبل، فلم يكن ذلك معروفاً عند العرب قبل زياد بن سمية.

وحين نتساءل عن ذلك المبدأ، سنجد الإجابة جليّةً في واقعنا الذي استقى من رضاب الطغيان الأول، فلطالما سمعنا عن قتل (المشتبه)به في تفجير الحافلة الكذائية، أو أن تلكم الطائرة بدون طيار قد قصفت سيارة يستقلها ثلاثة أشخاص (يُشتبه) بانتمائهم للجهة الكذائية… الخ. يطلق على هذا المبدأ بالقتل الكيفي، أو القتل على سبيل الظن أو التهمة. كما أن من مبادئ زياد قتل البريء لإخافة المذنب، وكذلك مبدأ منع التجوال، وقد طبقه على فلاحٍ خرج ليلاً للبحث عن بقرته الضائعة، وقتله وكذلك مبدأ قتل النساء.!

هذه المبادئ أو المواد الإرهابية الأولية في صنع العقل الإجرامي، أضحت اليوم تُعقلِن الجريمة، وتقدم المبررات في سبيل ذلك، فقمعت الحريات بمبرر منع التجوال، كما لو كان الوطن كُليّة بنات، وقتل " المشتبه" به عند كل حادثة، حتى استشرب العقل الباطني العربي حقيقة مفادها: المشتبه مدان، إذا لم يوجد المتهم.! 

أما قتل النساء فقد سجل ما يمكن أن نسميه "ببراءة الاختراع الدموية" لم يسبقه أحد إليها من قبل، فلم يكن ذلك معروفاً عند العرب قبل زياد بن سمية، أو زياد بن أبي سفيان، كما رغب إلى ذلك معاوية. كذلك قتل البريء لإخافة المذنب، لا ينُم مثل هذا المبدأ عن دين، ولا عن سياسةٍ وازنة، إنما عن بلطجة سفاح لا يرقب في مؤمنٍ إلاً ولا ذمة. 

من الأساليب الإجرامية التي قام بها زياد، ولم يسبقه أحدٌ من العرب إليها أيضا، ما ذكره الإمام السمعاني في الأنساب، إن زياد أمر بقطع لسان رشيد الهجري وصلبه لأنه تكلم بالرجعة. والرجعة في المفهوم الشيعي تعني العودة الى الحياة الدنيا بعد الموت. إن البيداغوجيا التي افتقر ويفتقر إليها الإرهابيون في القديم والحديث، فضلاً عن العقدة المركزية التي أشرنا إليها آنفاً، تلعب دوراً هاماً في الإحساس بالظلم، والضعف، والدون، هذا الشعور السلبي حين يتمكن من الإرهابي، ثم يتم لذلكم الإرهابي التمكين في الأرض بشكلٍ أو بآخر، يعيث فيها ويعبث، ومع ذلك؛ لا يشعر من شدة عبثه؛ أنه يعبث.!

يُقال: والعهدة على الشاعر الماغوط في كتاب "سأخون وطني" ما نصه" هل هناك حوار بين السلطة والشعب في أي زمانٍ ومكان في هذا الشرق؟ فأي مسؤول انكليزي، مثلاً، عندما يختلف في الرأي مع أياً كان، في محاضرةٍ أو مناقشة في بلده، يأتي بحجة شكسبير لإقناع مستمعه. والإيطالي يأتي بحجة من دانتي. والفرنسي يأتي بحجة من فولتير. والألماني يأتي بحجة من نيتشه. أما أي مسؤول عربي فلو اختلفت معه حول عنوان قصيدة لأتاك بدبابة؛ فتفضل وناقشها.!"