شعار قسم مدونات

كأس الأمم الأفريقية وأبو تريكة وغامبيا

Asamoah Gyan of Ghana (cr) wins a header Denis Iguma of Uganda (r) as Hassan Wasswa of Uganda (l) and Andre Ayew (cl) of Ghana look on during the 2017 Africa Cup of Nations match between Ghana and Uganda at the Port Gentil Stadium in Gabon on 17 January 2017.

بدأت هذا الأسبوع مباريات كأس الأمم الافريقية لكرة القدم، ليجتاحني نسيم عذب من الذكريات المتعلقة بها وباللعبة الشعبية الأوسع انتشارا في العالم؛ فكأس إفريقيا ككأس العالم والألعاب الأولمبية، كانت أولى فرص تعرفي على أسماء الكثير من الدول ومكانها عل الخريطة، وأعتقد أن ذلك حال الكثير من أطفال هذا الكوكب؛ كان ذلك قبل الانترنت والانفجار المعلوماتي العظيم.

 

كنت حين أسمع اسم بلد مشارك، أبحث عن معلومات عنه وعن وضعه ومن خلال ذلك أقرر تشجيعه من عدمه، وكان ذلك التشجيع منسجم مع انحيازاتي في الواقع، تلك الانحيازيات التي تغيرت عبر التجارب والأيام والاضطلاع، وكانت مقاييسي تختلف بين كأس العالم وكأس إفريقيا، وطبعا، كان هناك مكان للعب الجيد في مقاييس اختياري للفرق، لكن الثابت هو أنني كان من الصعب علي أن أشجع دولة استعمارية أو من الشمال على حساب دولة فقيرة.

 

 وأتذكر أنه مع كل نسخة من بطولات كأس إفريقيا أو كأس العالم، كانت تظهر فرق في مقاطعتي (لكصر)، تحمل أسماء الدول التي برزت فيها، وعلى ما أذكر، لعبت ضمن فرق تحمل أسماء، نيجيريا، البرازيل وتونس؛ وكنا كأطفال مرتبطون جدا بتلك الأحداث ونتابعها بشغف، وكأننا جزء منها ونحاكيها في الشوارع.

 

بطولة الأمم الأفريقية، كانت ولا تزال بالنسبة لي فرصة للتأمل في حال القارة والاهتمام بواقعها؛ القارة التي تعاني الفساد والقمع والديكتاتورية والسلطوية المدمرة.

ودارت الأيام وضمر اهتمامي بكرة القدم وعالمها، ولم أعد أمارسها وخف اهتمامي بمشاهدتها، وقد حدث ذلك منذ تحكم الرأسمالية وثقافة التشفير في لعبة الفقراء وملاذهم اللطيف والجميل، حيث تكاد تحرمهم من حقهم في المشاهدة، ومؤخرا وصلت لمرحلة وجدتني غير مهتم بنسخ كأس الأمم الأفريقية الأخيرة، خاصة مع حركة التحول إلى السنوات الفردية.

 

لكن هذه النسخة خطفتني منذ افتتاحها البسيط رغم حضور نجوم أفارقه لهم بعد عالمي؛ كالمغني الفرنسي ذو الأصول السنغالية، بوبا، ولا أعرف بالضبط سبب ذلك، لكنه قد يكون لوثة من الحنين للطفولة ومحاولة للتجديف إلى الوراء في بحر الذكريات، بحثا عن معنى ما.

 

تنظم بطولة هذا العام في الغابون ورغم الفرح الذي ظهر في حفل افتتاحها، إلا أنها، جعلتني أفكر في واقع القارة المنكوبة بنخبها، فكل مباراة تعيدني للواقع؛ فيكاد لا يذكر اسم دولة أو حاكمها حتى تبدأ قصص الظلم، لأنسى الاستمتاع باللعب الجميل وأسرح في عالم الديكتاتورية والحيف، مثلا، الأرض المحتضنة تمثل صارخ للظلم والفساد؛ فهي دولة غنية جدا، محكومة بطريقة عائلية يرث فيها الابن والده ومع ذلك يقال أنها "جمهورية" و يحدث ذلك بدعم  سافر من المستعمر القديم، فرنسا، أرض ترتفع فيها معدلات الفقر-ثلث السكان تحت خط الفقر- رغم ثرائها ويتجسد فيها  ضرب التوزيع العادل للثروة في مقتل، وهو مشهد يتكرر في الكثير من بلدان هذه القارة.

 

تابعت المباريات بشغف هذه المرة ولم أفوت لحد الآن سوى واحدة؛ وكنت أنتظر فرقي التي أشجع، وعلى رأسها مصر، الجزائر وتونس ومالي وغانا، لكنني كنت أنتظر بشدة، إطلالة مصر العائدة بعد غياب، أنتظرها رغم التباس موقفي من فريق مصر التي يحكمها الدكتاتور الأبله؛ فأنا أتمنى فوزها باللقب وأخاف في نفس الوقت من استغلال النظام العسكري لذلك الإنجاز للتغطية على ظلمه للمواطن في مصر، أو تخدير المواطنين به.

 

في خضم متابعتي لمباراة السنغال وزمبابوي، كانت تصلني أخبار عن قيام السنغال ومجموعة الأكواس بالتجهز لدخول غامبيا عسكريا، لفرض الطاغية الغامبي يحي جامي على ترك الحكم وتسليمه للرئيس المنتخب

وظهر فريق الفراعنة  بخجل ووجه شاحب؛ لأبدأ في تذكر لاعبين أفتدهم، لم يجدوا من يملأ فراغهم حتى الآن، ولم يطل الوقت حتى قام نظام السيسي بإرجاعي للواقع المصري وتذكيري بفحشه وظلمه؛ حيث وضع اللاعب المصري السابق محمد أبو تريكة ضمن قائمة طويلة  يعتبرها إرهابية، حيث وضعته محكمة جنايات القاهرة، ضمن قوائم المنظمات والشخصيات "الإرهابية"، وهو أحد الذين لا يزال مكانهم فارغا في منتخب الفراعنة، ومن قدم الكثير للفريق المصري وساهم في إسعاد شعبه في مناسبات عديدة، وصاحب المواقف الصريحة المناصرة للقضايا العادلة؛ فلازلت أتذكر تضامنه الرائع مع غزة.

 

خطوة نظام السيسي في حق أبو تريكة، كانت كافية لأقول هذه هي أفريقيا، أرض الظلم والتجبر، حيث تصدر الأحكام حسب مزاج السلطان وتصك القوانين الجائرة لمعاقبة من يخرج عن قطعان التملق.

 

وقد قوبل الحكم الذي صدر برفض شعبي حتى من قبل متملقين للسيسي؛ وذلك لحب الناس لأبو تريكة وما فعله لكرة القدم المصرية، لكن نفس القانون والحكم، تضرر منه مواطنين آخرين، وتحولوا لأرقام ولم يسمع بهم أحد، وهذا هو حال الظلم في بلدننا، شامل، ويحول الإنسان لمجرد رقم في قائمة طويلة.

 

وفي خضم متابعتي للمباريات وفي واحدة من أفضلها لحد الآن، وهي مباراة السنغال وزمبابوي، كانت تصلني أخبار تصرفني عنها، وهي الأنباء التي تتحدث عن قيام السنغال ومجموعة الاكواس بالتجهز لدخول غامبيا عسكريا، لفرض الطاغية الغامبي يحي جامي على ترك الحكم وتسليمه للرئيس المنتخب؛ وهو ما يرفضه الدكتاتور الغامبي، قذافي الطراز؛ الذي يحكم غامبيا منذ 22عاما، ويرفض تسليم الحكم للرئيس الجديد الفائز في الانتخابات التي أتت في غفلة من الزمن؛ وهي حالة طالما تكررت في القارة الإفريقية؛ فالرؤساء فيها لا تحركهم سوى القوة والدماء ولا يخرجون قبل تدمير بلدانهم وقتل شعوبهم؛ ومن المفارقات المضحكة أن انقلابيا آخر كان يحاول التوسط لإنهاء الأزمة؛ ألا وهو محمد ولد عبد العزيز؛ الذي يحكمنا في موريتانيا.

 

بطولة الأمم الأفريقية، كانت ولا تزال بالنسبة لي فرصة للتأمل في حال القارة والاهتمام بواقعها؛ القارة التي تعاني الفساد والقمع والديكتاتورية والسلطوية المدمرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.