شعار قسم مدونات

مشكلة الوطن العربي هي "الرصيف"

blogs - تسول

هل سبق وفكرت بحجم المشكلة التي يسببها الرصيف في العالم العربي؟ من استطاع حل مشكلة الرصيف في البلاد العربية سيتخلص من أزماتٍ رئيسيةٍ كالإذلال والعشوائية والاحتيال والرجعية والأمراض والهيمنة والتسلط والقذارة في نفس الأوان. إذا كنت لا تصدق فلتمضي معي في استعراضٍ لدور الرصيف في الوطن العربي.

 

الرصيف هو أول مكانٍ يضج بالحياة والنشاط منذ باكر الصباح. يخرج الباعة المتجولون و"قطاع الرصيف" ليغنموا الأماكن، وينشروا البضائع. ثم يبدأ الطلاب والموظفون بالذهاب إلى مدارسهم وأعمالهم، فتبدأ رحلة الإذلال. البائع على الرصيف يصيح، وبضائعه تسد الطريق، وأبواق السيارات بالمرصاد لمن هرب من أهوال الرصيف إلى الشارع الفسيح.

 

ويتكرر مشهد العشوائية يومياً ليغوي بعض المشاة الذين بدؤوا يؤمنون بغياب الرادع ببلاد "الحريات." فيغويهم الرصيف ويستدرجهم، إما للانتقام بافتراشه بدورهم كباعة لسدِّهِ كما سُدَّ عليهم، أو لاستغلال هذا المرفق العام "السائب" (والذي يتمتع في دول "الحريات" العربية بحرية تغيير صفة الاستعمال) بتحويله من ممرات مشاةٍ إلى أسواقٍ عشوائية. وإذا ما زاره الرقيب مر باستحياء، أو وضع مبدأ "غض البصر" نصب عينيه ليغنم بما في "الكيس المربوط."

 

تستمر قصة الرصيف، وتنزل الطائرة جالبةً معها سفراء دول الهيمنة ووفودها وممثليها. فَتُفرَشُ بالأحمر الطريق من الطائرة إلى الرصيف، لتعتليه رموز السيطرة، وتُعزفُ لهم الموسيقى احتفالاً باعتلائهم الرصيف.

كُنت ذات مرةٍ أسير بمركبتي، فأوقفتني إشارة المرور الحمراء بجانب الرصيف. هذه هي ساعة الصفر بلغة متسولي رصيف الإشارات الضوئية للانقضاض على ركاب المركبات التي احتجزتها الإشارة الحمراء وكأنها نقطة وقفٍ وتفتيشٍ عسكري مجانيةٍ تمنحها الدولة للجشعين. يقوم هؤلاء باختيار المركبات الفارهة، وطَرْق نوافذها. وهنا يكون الاستئذان واحدة وليس ثلاث، فالمطروق نافذةٌ لا باب، والمقصود يجلس خلفها بوضوح بلا حولٍ ولا قوة. "بالله بدي أطعمي الولاد من مبارح ما أكلوا." نفس العبارة تتكرر كل دقيقة، بل مراتٍ في الدقيقة، وتجد دائماً تعاطفاً مِن مَن تفترسهم. توجَّه الصبي ذي السنواتِ العشرةِ إلى مركبة "الرنج روفر" التي تقف أمامي، وطرق النافذة فلم تتأخر الإجابة عندما امتدت يد الراكب بورقةٍ نقديةٍ ذات لونٍ أزرق اعتقاداً أن السائل محتاج. لو كان محتاجاً لترك الرصيف وقصد البيت بالطعام فور حصوله عليها، فلون النقد الأزرق في بلادي يملأ بطون العائلة بما لذ وطاب. ولكن الصبي وضعها في جيبه وكأنها لا شيء، ومضى إلى مركبةٍ أخرى ليزداد.

 

لقد هالني مشهد احتيال الرصيف! أخبرت نفسي حينها أنه في الوقت الذي يستغل فيه الجشعين الإشارات والرصيف لقطع الطريق وسلب الأموال من عابريه، هناك أطفال يذهبون إلى مدارسهم مشياً في صباح أيام الشتاء القارص بلا رصيف! وتُغرِقُ أحذيتهم القديمة مياه الأمطار التي تتسابق إلى مَلءِ حفر الشوارع غير آبهةٍ بعدم وجود الرصيف. فيغرقُ في حفر الماء الصغار، بينما الرصيف للنصابين والتجار، في دول الرجعية والأشرار!

 

في الدول العربية تُحترَمُ السفن أكثر من الإنسان. فلا تكاد تظهر السفينة في الأفق إلا وتَهيأ لها الرصيف. فتَرسو السفينة، وتُنقل البضائع إلى الرصيف، ويا ليتها لا تلقى رصيف! فكم من شحنات غذاءٍ فاسدٍ جلبت أرصفة الموانىء للشعوب العربية. ما تلفظه أرصفة الدول الغربية من سلعٍ فاسدةٍ تفتح لها أرصفة بلاد العرب الأذرع على أوسعها. كيف لا ونحن لا نرد السائل، ونكرم المحتاج. فالغذاء الفاسد جاء يسألنا الحماية ولن يجد مكاناً يحتمي فيه أفضل من أجسادنا، وتاجره محتاجٌ يريد أن يراكم أرباحه ولن يجد أسخى من جيوبنا ليسرقها!

 

وتستمر قصة الرصيف، وتنزل الطائرة جالبةً معها سفراء دول الهيمنة ووفودها وممثليها. فَتُفرَشُ بالأحمر الطريق من الطائرة إلى الرصيف، لتعتليه رموز السيطرة، وتُعزفُ لهم الموسيقى احتفالاً باعتلائهم الرصيف. ويبقى أطفالنا في الطراقات بين المركبات دون رصيف. وتبقى معالم الشوارع كما حدود دول الصراعات العربية دون رصيف!

 

وفي مشهد المساء، يَتَجَمَّلُ الرصيف بالقاذورات بعد أن يهجره مفسدو النهار. ويبدأ عمال النظافة بإزلة آثار الإذلال والعشوائية والاحتيال والرجعية والأمراض والهيمنة والتسلط. من قال أن الليل هو رمز الشر؟! فبلغة الأرصفة في الوطن العربي الليل هو الوقت الوحيد الذي يزول فيه شر الفاسدين. أتخيلهم الآن بعد أن غادروا الأرصفة إلى مهاجعهم كلٌ منهم ينتقد استغلال الآخر للرصيف، ويرى أن كل الأرصفة، عدا رصيفه، هي من جلب الخراب والفساد للدولة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.