شبهة مخالفة النص للعقل

blogs - quran
العقل الذي يُحكم به على الأشياء هو العقل "المكتسب" وليس العقل "الفطري"، فالعقل الفطري يشترك فيه كل أحد وإن تفاوت الناس في ذلك، لكنك لا تستطيع أن تقضي في مسألة ما، في علم ما حتى تلم بأصول هذا العلم وفروعه فتكون متخصصا أهلا لذلك؛ وإن عجزت عن الحكم بعقلك "المكتسب" فإنك تضيف إليه عقول غيرك من المتخصصين المكتسبة أيضًا وهذه القاعدة مما اتفقت عليه "العقول الفطرية".

فمثلا: المريض لا يستفتي في مرضه أي إنسان "عاقل" لمجرد أنه عاقل؛ ولا يستفتي مريضًا مثله لمجرد خبرته في المرض وسبقه إليه؛ وإنما يستفتي طبيبا متخصصًا فيشخِّص الطبيبُ المرضَ ويصف الدواءَ بعقله "المكتسب" من خلال دراسته الطبَّ.

وإذا كان الداء عضالاً فلم يصل إليه الطبيب بعقله "المكتسب" فإنه يستعين بعقول غيره "كونسلتو" لكن بعقولهم المكتسبة أيضًا.

من نوادر وطرائف زعماء انتقاد النصوص الشرعية والتراثية في زماننا ما يصلح أن يكون تذييلا على كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" وربما خرج في مجلدات.

وهكذا الحال في كل تخصص، ولا يختلف على ذلك اثنان، والكل يحترم التخصص في جميع المجالات (ماعدا مجالًا واحدًا ) فهو كلأ مستباح..

علوم الدين والشرع يتكلم فيها كل أحد بالنقد والاعتراض مدعيًا أن تلك النصوص الشرعية والتراثية تخالف العقل!

أيَّ عقل تقصد؟ وعقل من؟ ومن يقضي في الخلاف بين العقول المتفاوتة. هل لمجرد أنه لم يفهم النص يكون النصُّ مخالفًا لعقله؟ وهل إذا خالف النص عقله هو؛ يكون مخالفًا "للعقل" بصفة عامة؟ وهل الخلل في النص الذي خالف عقله، أم في عقله الذي رفض النص؟ وهل يعترض هذا الألمعي الذكي العاقل العبقري على الطبيب ويقول له : لماذا أشرب الدواء كل ست ساعات ولا أشرب الزجاجة مرة واحدة دفعة واحدة (الطب يسر)، (أين وسطية الطب)، (الطب علاقة بين المريض ومرضه)..إلخ.

بل إن الأمر أبعد من ذلك؛ إذ لا بد من "اكتمال" هذا العقل "المكتسب" فلا تستطيع أن تحكم على مسألة بعقل مكتسب غير مكتمل؛ فإنك لا تذهب إذا مرضت إلى طالب لمَّا يتخرج في كلية الطب بعد؛ وإن كان متفوقًا في المراحل التي قطعها؛ لأنَّ عقله "المكتسَب" لم يكتمل بعد.

نعم يشترط في النص ألا يخالف العقل. ولكن العقل المكتسب بالعلم والدراسة، العقل المتخصص، العقل المتمكن من أدوات البحث والنظر.

فالذي يحكم على الأحاديث هم علماء الحديث، وليس الصحفيون، ولا الجاهلون الذين لا يحسنون قراءة عنوان الكتاب الذي ينتقدونه.

فمن نوادر وطرائف زعماء انتقاد النصوص الشرعية والتراثية في زماننا ما يصلح أن يكون تذييلا على كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" وربما خرج في مجلدات.

فمنهم غمر جاهل ينتقد أحاديث البخاري؛ وهو لا يفرق بين البخاري ككتاب والبخاري كشخص. ناهيك عن الذين لا يحسنون قراءة عناوين الكتب فضلا عن أسماء الرواة فضلا عن معرفة العلل.. كطالب فاشل في الثانوية يقوم بإجراء عملية جراحية لمريض في "المخ والأعصاب".

خلاصة القول:
إذا أردت أن تنتقد نصًا لأنه يخالف عقلك فاذهب أولاً فاكتسب عقلا تنتقد به إذا خالفه النصُّ.