تحرير العقل من قبضة الفيلسوف ومرشد الجماعة

blogs- المسلم

بمنطق اتساع التأويلات في الجانب العقائدي وخروجها عن سياقها بسبب الحضر الذي يفرضه ممثّلو الأديان على العقل، يستطيع أيّ شخص أن يدّعي النّبوة والمهدية والإمامة والنّيابة عن الرّسل والأنبياء والعلماء والمقدّسات وأنّه المرشد الأعلى والادعاء أنّ المسيح أو عُزير ابن الله "جلّ و على" والبعض على أنّهم أنصار الله أو نصرُ الله على رأس حزب الله، ونصّب آخر نفسه متكلّماً نيابةً عن الله.

لكنهم لا يعلمون أنّ الحقيقة بالمرصاد تكشفها العلوم الشّرعية المتخصّصة وتوثّق علوم العصر الحديث زورهم وتمرّدهم على منطق التّفكير.. ولا يعلمون أنّه كلّما اقتربَ المدّعي من المقدّسات طُلب منه عرض تفويض مقدّس، يوثّقُ مهمّتهُ وصفتهُ ونشاطهُ ويُثبِّتَ ما يميّزهُ عن غيرهِ ويستقر الفهمُ عند سبب اِصطفاء مشيئة الله له أو لغيره ويُزيل الغموض والشّكوك لبناء القبلة التي يُوَلِّي النّاس رأيهم إليها.

 

فُرِضَ الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل اللّه ليس من خلال الانغلاق على النّفس والانعزال عن المجتمع بل من خلال مواجهة فتن المال والبنين وفجور النّفس والهوى والإصرار على هزيمة الشّهوات والملذّات في حياتنا اليومية.

وحتّى نقترب قليلا من الواقع دعونا نعود إلى قصة حقيقة دارت ذات يوم، بيني وبين راهب بريطاني دعاني فيها إلى محبّة الله قائلا "إنّ المسيح يدعوك لمحبّته" فقلت أنا أحبّ المسيح عليه السلام، وهل كلّفك بتبليغ محبّته إليَّ وكيف؟ فأجابني بشيء من فلسفة الإنجيل، قلت: ولا أراك تقصد إلاّ الإله الابن فَأَنَّا له الأُلوهية وهو الابن، أَمَعَكَ دليل إذا سمحت؟ فكان رده أن قال لي مقتبسا من الإنجيل" يوحنا 30:10 " بفصاحة لسانه:" أنا والآب واحد" فقلت أهذا يكفي لنقل ألوهية الآب إلى الابن؟ فقال نعم.

 

قلت ماذا لو عرضت عليك دليلا آخر؟ "كان لا يعلم أنّي مسلم" قال تفضّل، قلت: "أنا والابن واحد" فأيّ الدّليلين أقوى من الآخر؟ قال: دليلك أقوى، لكن من أين اقتباسُك؟ قلتُ: نسخة خاصّة من إنجيل وتَعلَم أنّ الابن مُطالبٌ بتقديم تفويض الآب بتحويل الألوهية أو شيئا منها إليه؟ قال نعم، قلت: البيّنة على الابن، إن غابت بَطُلَ ادعاءه. قال: صدقت، لكن لستُ متخصّصاً في علم اللاّهوت، قلتُ ولا أنا والكلُّ لا يحتاج إلى فلسفة أو علم اللاّهوت لعبادة الله وحده. قال: وحده؟ هل أنت مسيحي؟ قلت: أنا مسلم ونحن نحبُّ المسيح عليه السلام. فإحتار الرّاهب قائلا: سأبحثُ في القضية مرّةً ثانية، لكن ماذا عن النّسخة التي اقتبست منها؟ قلت: لم تكن نسخة بل اجتهاد من عندي حتّى أدفعك إلى متابعة النّقاش.. انتهى.
 

كلّما اقترب المفكّر من الدّين والاعتقادات لاحظ اِزدياد السّخط على الجانب العقلي والمنطقي للأشياء وأصبح منبوذا ومحرّما، سُلبت على إثرها الحقوق الفردية والجماعية داخل القبيلة، استبيحت المفاهيم واُستبدلت بغيرها، وجُمّدَ التفكير، وأطلق العنان للرّوحانيات وأقامت لها العشائر الشّعائر والحفلات، فعَبدُوا الحجرَ والشّجرَ والبقر، ولجأ المـَحـْرُومُون منهم إلى البحث عن ولاءات خارج الدّين لعلهّم يستردّون حقوقهم. فولّى أغلبهم رأيه إلى العلوم الدنيوية ومؤسّسيها ممّا دفع إنسان التّاريخ المعاصر إلى المواجهةِ المباشرة مع الرّهبان والقساوسة، اُختُطِفَتْ على إثرها الدّولة من الدّين باسم العلم.

 

بينما فرض الإسلام التّفكير على كل مسلم ومسلمة وهذا الذي يميّزه عن المعتقدات الأخرى إلا أنّ تفكيره مضبوطا وفقا للتّأويلات الشّرعية التي تَخَصَّصَ فيها ناسٌ دون غيرهم عملاً بالآية الكريمة" في سورة التّوبة- 122″ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" إذ تُعتبر هذه الآية ضابطة لمبدأ الاختصاص وأهلية مسلمين دون غيرهم في الفقه. وما أرسل الله تعالى الرّسل والأنبياء إلّا لتبليغ الفهم الصّحيح للرّسالة الإلهية ولن يستقرّ فهمها عند النّاس إلا من خلالهم دون غيرهم وقد دعّمهم اللّه تعالى بالحُكم والعلم حيث قال عزّ وجلّ: "فَهَّمْنَاهاَ سُلَيْمَان وكُلاًّ ءَاتَيـْنَا حُكْمًا وَعِلْماً…الآية"79 سورة الأنبياء.

 

لقد أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى "يُؤْتِي اَلحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " سورة البقرة الآية 269 ولم تقل الآية "من يُؤْتَ الحقيقة فقد أوتي خيرا كثيرا". وبالرجوع إلى الأشياء التي ميزت أهل اليمن عن غيرهم في الحكمة هو كما جاء وصفهم على لسان نبيّ الرّحمة ألا وهو أنّهم "أرق أفئدة وأضعف قلوبا" ثّم تَرَتَّبَ عنها قُبولهم الرّسالة وإيمانهم بها، فنتجت عنها أن أكرمهم الله بالحكمة التي هي نِتاَجُ أخلاقٍ راقية لقلوب رهيفة.

اجتمع عندهم لين القلوب بالرّسالة فسبقوا القوم إلى الحكمة. فنحن نرى أنّ الحكمة منطق "المضغة الصّالحة" التي هي القلب فهي تعطى وتؤخذ، مرهونة بمدى وصول الفرد إلى قمّة الأخلاق النّبيلة من خلال صراعه بين الحقّ والباطل والتي من أجلها بُعث الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهي الخيْر كلّه. أمّا الحقيقة فهي منطق العقل السّليم، تحتاج إلى الحكمة في تبليغها وهذا هو سرّ وجود الأنبياء والرّسل فهم أصحاب القلوب الأشدّ لطفا وبلاءا من غيرهم وأقربهم إلى تفسير كلام الله تعالى.

 

لم يصل المسلمون إلى اعتماد رؤية علمية ومنطقية شاملة كفيلة بالردّ على من ادعوا أنّهم المناطقة وعلى من ادعوا أنّهم القرآنيون وعلى من أنّهم الفلاسفة.

فكيف بمن يدّعي أنّه مجرّد مرشد أو مؤسّس لطريقة أو "منهج يدعو على حساب أصول الدين إلى تأسيس جماعات حركية منغلقة دينيا على المجتمع" وليس له أدنى معرفة بالعلم الشّرعي علما وافرا كافيا بالزّهد مع الله سِرّاً لا علانيةً كما تفعل بعض الجماعات الصّوفية مثلا. فُرِضَ الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل اللّه ليس من خلال الانغلاق على النّفس والانعزال عن المجتمع بل من خلال مواجهة فتن المال والبنين وفجور النّفس والهوى والإصرار على هزيمة الشّهوات والملذّات في حياتنا اليومية.

 

لم يصل المسلمون أيضا إلى اعتماد رؤية علمية ومنطقية شاملة كفيلة بالردّ على من ادعوا أنّهم المناطقة وعلى من ادعوا أنّهم القرآنيون وعلى من أنّهم الفلاسفة ولا على من ادعوا أنهم أوصياء على الأمّة من فوق منابر تحارب القرآن والسنّة، ولا على من ادعوا أنّهم فلاسفة يعطونا لأنفسهم الحقّ في بناء قواعد المنطق والتّفكير.

 

بينما استطاعت علوم العصر الحديث "التي تتعامل مع الأرقام ومعالجة البيانات بمنطق التّفكير والحساب والتّحليل الرّياضي والفلسفي للظّواهر" تسخير كل ثروات الأرض لتلبية حاجيات الإنسان الأمنية والغذائية التي عجز عن توفيرها الرّهبان والقساوسة وممثلوا الأديان قديما وحديثا إلى درجة دفعت الأمم إلى توحيد اقتصادياتها وسياساتها وأمنها خارج الدّين، وأصبحت الوحدة رأسمال أساسي ومركز ثقل لأي تطوّر.

 

وحّدت البشرية لغتها في التّعامل مع بيئتها التكنولوجية ودفعت الشّعوب إلى المطالبة بالعولمة وشمولية التّعامل في الممارسات الاقتصادية والتّجارية والقانونية، نجح نجوم الغناء في جمع الملايين من البشر وجعلهم ينشدون كلاما واحدا في صعيد واحد، ونجح نجوم كرة القدم في حشرهم في زاوية مماثلة ينشدون لفريق أو للاعب معيّن، واستطاع نجوم السّينما حشر نفس العدد الهائل من البشر لمشاهدة الجديد والمزيد ثمّ جعلهم يقتدون بهم في ملبسهم و مأكلهم ومشربهم وحتّى في تسريحة شّعرهم بينما عجز بعض الأئمة والمرشدين في توظيف الوازع الدّيني لتوحيد النّاس والأمم من حولهم وفقا لمنهج موحّد، بل كانوا دوما وراء تشتيت النّاس. فالإسلام مصان بالعلم والعلم مصان بالحكمة والحكمة مصانة بالأخلاق فمن لا أخلاق له لا مقام له.