أميون ولكن يقرؤون التاريخ

blogs - amazigh
أميون نحن لأننا لا نجيد قراءة التاريخ، ولأننا لا نؤمن بأن التاريخ يعيد نفسه، أميون نحن لأننا لا ندرك بأن الاستغاثة بالغريب لن ُتجدي نفعًا، وبأن تنصيب العداء للقريب هو حُكم مسبق على المبادئ الفطرية بالموت شنقاً.

أميون نحن لأننا نتغاضى عمداً عن حقيقة انقضاض الذئب على القطيع حينما يتفرق جماعات فنتفرق إلى دويلات ونتمتم بجهل ما اعترى الغير لن يعترينا ما حيينا، أميون نحن لأننا لا نجيد قراءة أيّ تاريخ إلا تاريخ قبائلنا، وبدائيون جداً حينما نتخذ القبيلة قبلتنا ووجهتنا، وحينما يكون التميز الأحمق هو بوصلتنا، ورجعيون نحن حينما نقف على ناصية الزمن بينما عقاربنا تشير إلى امتداد عمر جاهليتنا، ولكن مع فارق بسيط حول ماهية خلافتنا، فلم يعد يقتصر الصراع على الزاد بل بعنا الوطن بالمزاد فأصبحت مطالبنا أكثر حضارة وغدت السرقة أكثر شرعية في وضح النهار.

نحن الذين ينقصنا كل شيء، وندعي للأسف بأننا نمتلك كل شيء، نحن القاطنون في كهوف القبلية المقيتة ومازلنا نعيش في زمن الجاهلية الأولى.

وموقنون نحن سرا بأن القبيلة هي الديانة الأولى التي ندين بها فنجاهد باسم القبيلة ونُقتل في سبيل أمجاد قبيلتنا ونحتقر الآخرين ونقصيهم باسم القبيلة ونحكم ونسود باسم القبيلة، ونهتك ستر إنسانيتنا باسم القبيلة ونستمد كافة تشريعاتنا من القبيلة وما خالف سلطانها، فهو هوى ومحض هراء وما وافقها هو حق، فالشيء الوحيد المقدس في وطننا هو القبيلة، وإذا ما حدثك البعض عن الوطنية فحاول بأن تـوسع مداركك قليلاً لتستوعب بأن (القبيلة) في عرف البعض هي (وطن مصغر) تقتصر حدود جغرافيته على أبناء القبيلة فقط، لذلك لا تستغرب حينما يفقدون اتزانهم الفكري إذا ما أقدمت يوماً على انتقاد من يمثلهم قبلياً فسيصيحون بك مستنكرين فعلتك الشنيعة تلك هاتفين: بأن الوطن مقدس.. مقدس.. مقدس، وستحتاج حينها إلى أن تبحث في القاموس الصومالي عن معنى كلمة (وطن) لتكتشف كم كنت أمياً وجاهلاً لأنك لم تُجد قراءة ما بين السطور ولأنك لم تميز ما بين التعبير المجازي المعلن والمسمى بالوطن وبين المعنى الحقيقي المبطن وهو القبيلة المقدسة.

أميون نحن لأننا نخلط بين الأبعاد الإنسانية والسياسية للقضية، ومكابرون حينما ننفي بأن قصر النظر وتمركزه حول حقيقة الاختلاف القبلي قد يحجب عنا كل تلك الروابط المشتركه ولكنه لا يلغيها كلياً، وسنلتقي حتماً كغيمة أمطـرت أرضاً جرداء قد طال انتظارها للماء حينما تسوقنا الذئاب يوماً ما صاغرين إلى خارج حظيرة القبيلة، لنوقن حينها معنى المشترك الجامع، فكم لبثنا في غياهب القبيلة من سنين طوال وأيقنا خلالها بأنها أشد فتكاً وتخديراً وتأثيراً على عقولنا من تلك النبتة الخضراء وبأن آثارها السلبية ممتدة من جيل إلى جيل.

فمتى سيحظر تعاطي القبيلة وتحريم استنشاق الجانب النتن منها عوضا عن الالتفات إلى الجانب الإيجابي المتمثل والمقتصر على التعارف والتكاتف، فمتى سيغدو التمييز جريمة يعاقب عليها القانون، وإلا كيف سنصل لبر الأمان ونحن نجذف دوماً بآمالنا في عرض الأمنيات موجهين كل حواسنا ومداركنا، نحو نقاط الاختلاف والخلاف لتكون كثقوب تخرق صفو هذا الود والالتحام.

نحن الطامحون لتحقيق كل شيء، ولكننا لا نسعى أبداَ لتغيير أي شيء، ونحن من نختار ممثيلنا سواء أكانوا مصلحين أم مفسدين لأسباب قبلية بحتة.

كيف سنلتقي وقد فقدنا بوصلتنا، وكيف سننجو في خضم الأمواج التي تعصف بنا إن لم نكن معاً، وإن لم نتجرد من كل تلك الحمولات الزائدة، ومن كل تلك الأحقاد الدفينة من ماضينا لكي تشرق شمس مستقبلنا المبهم المعالم، كيف سننجو هكذا صاح قبطان السفينة، ونحن نوجه أشرعتنا باتجاه هبوب الرياح، ومتى سنصيح كأرخميدس مبتكرين قانوناً خاصاً بنا للطفو فوق سطح الاعتبارات القبلية قبل أن تغرقنا، فنحن الذين ينقصنا كل شيء، وندعي للأسف بأننا نمتلك كل شيء، نحن القاطنون في كهوف القبلية المقيتة ومازلنا نعيش في زمن الجاهلية الأولى.

نحن المتشبثون بمبدأ إن لم تكن معي فأنت ضدي، نحن المعارضون لأهم أنواع التنمية ألا وهي التنمية البشرية، نحن المحاربون لأي شخص ناجح والمثبطون والمشككون بأي مبادرة بسيطة لتحقيق شيء ما، نحن الرائعون في التنظير والفاشلون حتماً في التطبيق.

نحن الطامحون لتحقيق كل شيء، ولكننا لا نسعى أبداَ لتغيير أي شيء، ونحن من نختار ممثيلنا سواء أكانوا مصلحين أم مفسدين لأسباب قبلية بحتة، ومن ثم نشتكي من تبعات سوء اختيارنا من وجود الفساد وانعدام الإنجازات وغيرها من المعضلات، نحن باختصار السبب الرئيسي لكل المشكلات، ولكننا مازلنا رائعيين!