ولاية سيناء ما بين المهاجرين والأنصار (١)

blogs-isis

منطقة بسيناء بعرض ٣٣كم، لا يوجد بها أي تواجد للقوات المسلحة -فقط شرطة مدنية تحمل أسلحة خفيفة- ولا موانئ عسكرية ولا أية مطارات عسكرية. توازي تلك المنطقة مساحة أخرى تبلغ ١٠٩كم، يقتصر تأمينها وحمايتها على أربعة آلاف جندي من سلاح حرس الحدود مع أسلحة خفيفة.

 

كان السبب في نزع بساط السيادة المصرية على أرض سيناء ما تسمى باتفاقية السلام "اتفاقية كامب ديفيد" التي أبرمت بين "الجانب المصري" و"كيان الاحتلال الصهيوني" في أعقاب حرب استرداد المسلوب من الأراضِي المصرية.

 

ظهرت في سيناء جماعات عد أصحابها أنها تسير على طريق الحق، وتهدف إلى نشر الخير وتطبيق شرع الله، بينما وصفهم الآخرون بأنهم سلفيون جهاديون يكفّرون المجتمع ويُريدون به شراً

كان لنزع تلك السيادة بتلك الصورة عظيم الأثر في توجية قبلة كل من لا يجد له موطأ قدم لملاحقته، سواء كان سياسياً أو جنائياً داخلياً أو خارجياً إلى شبة جزيرة سيناء، خصوصاً المنطقة "ج"، وهي تلك الممتدة من مدينة "رفح" إلى مدينة "الشيخ زويد" وما يليها؛ حيث إن البيئة في تلك المنطقة رطبة لكل ما هو خارج عن الأعراف القانونية والسياسية لأية دولة.

 

بدأ الاتساق الواصل بين الجماعات والأفراد الخارجة عن القانون والمنبوذة طائفياً   -أو بشكل أدق المتطرفة فكرياً- والمنطقة الخالية من الرقابة (سيناء) منذ ما قبل تسعينيات القرن الماضي مروراً بالرئيس الأسبق "حسني مبارك" ومَن أعقبه حتى الآن، حيث تحديداً في فترة ثورة الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١، كان الانفلات الأمني يعم أرجاء البلاد، ولكن تركّز النصيب الأوفر منه في سيناء، فأصبحت المدينة مرتعاً تسكنها جماعات إرهابية.

 

ساكنو شبة الجزيرة:

عبر هذه السنوات ظهرت في سيناء جماعات عد أصحابها أنها تسير على طريق الحق، وتهدف إلى نشر الخير وتطبيق شرع الله، بينما وصفهم الآخرون -وفي مقدمتهم السلطة الحاكمة- بأنهم سلفيون جهاديون يكفّرون المجتمع ويُريدون به شراً.

 

كانت الجماعات متفرقة، كثيرة متعددة، ولكن من أبرز تلك الجماعات ما تسمى بـ"أنصار بيت المقدس"، وكانت البداية من قطاع غزة، حيث كانت هناك أربع مجموعات بالقطاع يتمثل فيهم المسمى السلفي نهجاً وفكراً، وهم: (التوحيد والجهاد وجيش الإسلام وأنصار بيت المقدس والسلفية الجهادية)، وتلك الجماعات بمسمياتها نفسها كانت موجودة بأطوار حياتها ومؤسسيها، سيناويون تارة وغزاويون تارة أخرى.

 

كان ظهور تلك التيارات السلفية سابقاً على صعود الإسلام السياسي إلى الحكم، وكان جزء من هذه المجموعات السلفية منخرطاً في مقاومة الاحتلال الصهيوني. وكانوا جزءاً من الحركات الكبرى في الساحة الفلسطينية مثل: "حماس" و"الجهاد الإسلامي" ومنهم من عمل ضمن إطار "كتائب شهداء الأقصى"، لكن بعد مشاركة حماس في الحكم، ظهرت هذه المجموعات برفضها للديمقراطية والمشاركة في السلطة على اعتبار أن ذلك عمل مخل بالدين والإسلام.

 

ثم بدأت هذه المجموعات تتكون وتنشئ حالة خاصة بها، تريد من خلالها أن تفرض رؤيتها على المجتمع، ولم تشكل ظاهرة خطيرة داخل القطاع، لكن الاحتلال كان دائماً ما يحاول أن يستفيد من هذه المجموعات السلفية بربطها بالإرهاب العالمي الذي يظهر جزء منه في سيناء، ويحاول أن يلصق تهمة الإرهاب العالمي بحركات المقاومة الفلسطينية.

 

وقامت حكومة حماس بتضييق الخناق على تلك المجموعات وملاحقتها؛ بسبب أعمال العنف التي قامت بها، وبسبب أن الصراع أصبح على أشدة في مسار السيطرة الفكرية، صراع وصل حد الملاحقة إلى اعتقال حماس من يَثبت تورطة في أي من أعمال الجماعات.

 

بسبب ذلك انطلقت هذه المجموعات باتجاة سيناء؛ حيث وجدت فيها بيئة ملائمة لها، والتقت مع مجموعات مصرية جهادية عديدة ومجموعات أخرى ذات جنسيات متعددة؛ حيث كانت أشهر تلك الجماعات (جماعات التوحيد والجهاد ومجلس شورى المجاهدين والسلفية الجهادية وأنصار بيت المقدس)، فضلاً عن الجماعات الصغيرة مثل "جيش جلجلة".

 

نظمت جماعة "أنصار بيت المقدس" عرضاً عسكرياً مسلحاً في منطقة الشيخ زويد،  رافعين أعلام تنظيم "داعش"، وشاهرين أسلحة ثقيلة وطافوا الشوارع المختلفة بقرى الشيخ زويد ورفح، وهم يرددون هتافات مناصرة للدولة الإسلامية وأميرها أبو بكر البغدادي

من داعش بالعراق والشام إلى داعش سيناء:

التاريخ لا يعيد نفسه، بل يأخذ منحاً جديداً، فداعش تسيطر اليوم على أرض واسعة بمساحة نصف فرنسا، تمتد بين سوريا والعراق، حيث يعيش عشرة ملايين نسمة. وأصبح التنظيم أكثر من مجموعة إرهابية، فتحول إلى دولة خارجة عن القانون تجذب ملايين المتطوعين.

 

أما عن "داعش سيناء"، فلم يتسلل التنظيم عبر الحدود، بل انتمى إليه مسلحون من أبناء سيناء، يقول الجيش المصري: إنه يقاتلهم منذ أكثر من أربعة أعوام، فلم تعد "أنصار بيت المقدس" ذلك التنظيم المسلح الذي يظهر على وقع عملية هنا أو هناك داخل سيناء، بل حرص التنظيم القديم الجديد على قطع الشك باليقين (تنظيم الدولة موجود بمصر)؛ حيث أصدر محتوى إعلاميا مدويا يعلن فيه الولاء الصريح لتنظيم الدولة الإسلامية الذي يتداعى العالم لحربه، وصارت ولاية سيناء تابعة مباشرة لما يعرف بأمير المؤمنين البغدادي.

 

وفي الثامن من يوليو٢٠١٤ نظمت جماعة "أنصار بيت المقدس" عرضاً عسكرياً مسلحاً وهم يستقلون عشر سيارات دفع رباعي في منطقة الشيخ زويد، ملثمين ويرتدون ملابس سوداء، رافعين أعلام تنظيم "داعش"، وشاهرين أسلحة ثقيلة لإظهار قوتهم، وطافوا الشوارع المختلفة بقرى الشيخ زويد ورفح، وهم يرددون هتافات مناصرة للدولة الإسلامية وأميرها أبو بكر البغدادي.
 

حيث رافق ذلك توزيعهم منشورات على الأهالي يأمرونهم بالمبايعة والالتحاق بركب الجهاد وسط دهشة واستغراب من أهالي سيناء من عدم قيام الجيش بأي رد فعل أمام هذه الجماعات المسلحة، وسط صدمة ما يحدث، ولكن الداعي للاستغراب هو أن حدوث ذلك كان بعد ساعات من تحذيرات أجهزة سيادية مصرية من إعلان جماعات تكفيرية "الإمارة الإسلامية" في سيناء.