شعار قسم مدونات

غيث العشرينات

blogs - rain
تنقضي سنوات الشباب سريعاً ولا تتوقف، وتصحبها تغيرات قد تزيد من عمر الإنسان بمقدار العطاء والأثر، وقد تمر كغيرها لكن في كلا الحالتين هي اختيارات الإنسان؛ فعليه أن يُفعِّل مَلَكَة العقل ويُدرك تسخير الكون له؛ فتلك بذورٌ يحوّلها بعطاياه إلى إحياء أمته التي ضاعت بين الغفلة والهوان؛ فلا شك أن سرعة الأحداث المحيطة بنا أكبر بكثير من سرعة خطايانا، فنحن ما زلنا ردود أفعالٍ لها، فلا نستطيع أن نحرّك ساكناً وتُهنا دون صناعة تلك الأحداث.
 
أحاول جاهداً رسم بعض الخطوات الصغيرة كغيث العشرينات لتتبدل لخطوات كبيرة، كلما جاهدنا أنفسنا وأتقنَّا أدوارنا، وأصبحنا أصحاب رسالات نؤمن بها ونضحّي بكل شيء لرفعة ديننا. غيث العشرينات طريق يُطرح من خلاله ثلاثيات للأفكار والمبادئ وبوصلة للبدء، فالأفكار لتزيين عقولنا، والمبادئ لتُحصّننا، والبوصلة للسير قُدُماً نحو أمة مُسَخَّرَة للتنوير والتعمير.

لنبدأ سوياً بأول الثلاثيات: فالأفكار في هذه الحياة تتبدل كلما مررنا بتجارب قاسية ولم نحصد منها شيئاً ملموساً، وتزداد قسوةً كلما شعرنا بتيه أمتنا الإسلامية، ولكن تلك طبيعة الحياة فُرضت على الناس فَرضاً وليس كل من زرع بنفسه حصد بنفسه لأن الغيث لا يأتي الآن لأن سُنَّة الوجود على غير ما نهوى، فازرع إلى أن تموت لا أن تحصد، وتأكد أن كل شيء سيعود على أمتك بالنفع؛ والثمرة وما دونها من مثقال ذرة مفهومٌ في غاية الأهمية في رحلتك للتحّول نحو أول الغيث، فالبعض يرى أن الدور الذي يقوم به صغير فيحتقره، ولا يستطيع إنجاز العمل الكبير، ولكن قيامنا بالثمرة كالعمل الصغير هو حلقة حرجة في بناء العمل الكبير، فلنتَّقِ النار ولو بشق ثمرة.

تُهنا جميعاً بين شعارين "كونوا أصحاب رسالات" و "علينا أن نضحّي بفكرتنا" ولكن هل نتحلى بصفات أصحاب الرسالات؟ وهل حقاً فكرتنا تستحق التضحية؟

هؤلاء قومٌ من الناس عاشوا في جزيرة وسط مجموعة من البجع الأبيض، ومرت الأعوام، فتكوَّنت قناعة زائفة أن كل البجع في العالم لونه أبيض فأصبح اعتقاداً راسخاً بداخلهم وأصبح مستحيلاً بأن يروا بجعاً أسوداً أمامهم، ولما هاجروا لجزيرة أخرى رأوا بجعاً أسوداً فتحطمت قناعة البجع الأبيض. هكذا هي أحداث حياتنا نسير فيها ونتوقع دائما بجعاً أبيضاً بناءً على ماضينا وإن أتى بجع أسود إلينا أقسمنا وحلفنا يميناً وتساءلنا: لماذا البجع الأسود في بلادنا؟! لماذا الأشرار موجودون حولنا؟ ولماذا يحدث لنا كل هذا الظلم والظلام؟

الآن علينا إدراك مبادئ التحصين نحو أول الغيث ولنبدأها بالأسباب والمسببات، فمن العبث أن نطالب السماء بين الحين والآخر أن تفعل ما لا يجوز فعله، ومن العبث أيضا انتظارنا للنصر والانتصار تعلقاً بوهم وقوع النتائج عقب انتظام المقدمات، فلنرتقِ في الأسباب، ولنكف عن المنطق الفاسد في التدبير؛ فمن أراد النبات فمفتاحه الزراعة ومواصلتها، ومن أراد النسل فمفتاحه الزواج، وهكذا لكل هدف منشود سبب مقصود؛ وقد تكون للغاية الواحدة عدة طرق فيجب الأخذ بها جميعاُ، فالهزيمة في مجالات الحياة قد لا تقع مع توافر كل الأسباب، والنصر يتم بغير دواعٍ سابقة لكنه يأتي بعد سعي وعمل وجَلَد.

تُهنا جميعاً بين شعارين: " كونوا أصحاب رسالات" و "علينا أن نضحّي بفكرتنا" ولكن هل نتحلى بصفات أصحاب الرسالات؟ وهل حقاً فكرتنا تستحق التضحية؟ قبل أن نقيّم رسالة ونضحّي لأجلها علينا أن نغالي بفكرتنا حتى تخدم أمتنا، ونصبر على مرارة الهزيمة، وندوس على الأمجاد الزائفة، ولا نستخف بكثرة طلابها ولا يفجعنا قلة الزاهدين فيها، فغايتنا قبل رسالتنا، وفكرتنا قبل مشروعنا وديننا قبل تديننا، حتى لا تزهق أرواحنا في منتصف الطريق كما يحدث الآن.

كُنْ مشروعاً أو كوِّن مشروعاً أو ادعم مشروعاً، فعليك أن تحدد وجهتك لتسد عن الأمة ثغراً في مجالٍ محددٍ وتفتح آفاقاً جديدة للتنوير.

أختتم ببوصلة لأول الغيث واُسمِّيها "ثلاثيات للبدء": فالأَوْلى أن نبدأ من الآن بمراجعة القناعات التي أثّرت في سعينا أو جمودنا طوال السنوات المنقضية، فلنتيقظ جيداً لكل ما يدور من حولنا من أحداث، ونكون أصحاب رُؤىً عابرة لأمتنا إلى النور، ونُلزم أنفسنا بالمعرفة البحثية وطلبها في شتى المجالات.

أما عن الثانية فهي فردية وليست جماعية يقوم بها كل واحد من أمتنا ألا وهي التخصص، فإذا رجعنا للتاريخ فلا نجد شخصاً ذا أثر وتأثير إلا وقد كان متخصصاً في مجالٍ محددٍ من مجالات الحياة، وهذا لا يعني أن نعمي أبصارنا عما يحدث من حولنا، فصاحب الهمّة غيورٌ على أمته وما يحدث فيها، ولكن هذه هي الطريقة السديدة لكي نجمع أثر كل واحدٍ منا في أثر كبير نخدم به أمتنا.

والثالثة والأخيرة هي خدمة الأمة في تخصصك هذا، كُنْ مشروعاً أو كوِّن مشروعاً أو ادعم مشروعاً، فعليك أن تحدد وجهتك لتسد عن الأمة ثغراً في مجالٍ محددٍ وتفتح آفاقاً جديدة للتنوير أو أن تُنشئ مشروعاً تغطي فيه مساحة من المساحات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والعمل الخيري، فكلها تكمل بعضها لخدمة الأمة، أو أن تعمل على إنجاح ودعم مشروع تؤمن به بعد أن تتيقن من غايته في رفعة أمتنا دون شوائب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.