شعار قسم مدونات

حُرّية بطعم الخوف!

blogs - Aleppo

إنها الساعة الثانية عشر مساءً، لقد توقف إطلاق النار يا أمي.
لن تعود الطائرات لتغير علينا بعد الآن، فقد رحلت دون عودة. ولن يكون هناك قتال أو اشتباك آخر. فقد أسقطت آخر قذيفة قبل ساعات، حصدت معها أرواح آخر شهداء الثورة. سأعود لألعب مع إخوتي، سنلهو في الشارع كما في الماضي، وسنغني للأرض الحرة، سوريا حُرَّة حُرَّة. انطلقتُ في الشارع، أزيح نظري بين أحياء مدينتي المدمّرة، فوق الركام وعلى تلال المباني المهدمة، أركض مسرعاً، عَلّني أُفرغ الغضب الذي يختلج قلبي.

الحرب توقفت والكل وضع السلاح. استراح الجنود من عناء حرب خمس سنوات مضت، أراهم يسندون ظهورهم وسلاحهم مُلقىً على الأرض، منهم من يذرف الدمع، وآخر يستنشق رائحة البارود والدم. لم يعد شيء كما كان، الأرواح أُنهكت والعالم عندنا تحول إلى رماد. لا الحرب انتهت ولا الأهداف تحققت. فالظالم متربع على عرشه، يرفض الرحيل. والشعب بين أحراش البراري مشتتين، بينهم رضعٌ يصرخون، وفتيات يبكون.

سمعت صوت أمي من بعيد تناديني، وتقول: "كفاك يا بني، من أين لك هذا الغضب في قلبك". نظرت تجاهها وأجبتها: "أنتِ يا أمي تقولين هذا الكلام؟ أبعد كل ما عايشناه، ما زال قلبك نقياً أبيضا!" لمست بيدها خدي، ثم اقتربت مقبلةً، وقالت: "اليوم لك، استرح قليلاً، ثم انهض لتلعب، فقد راح الكثير عليك". نزلت دمعتي.. وشعرتُ بشيء غريب لم أشعر به من قبل، ترى ما هو ذاك الشعور، أهو شعور الطفولة التي حُرِمْتُ منها؟ لا أدري.. فأنا لم أعش طفولتي يوما، ثم غفوت.

كفى.. لا أريد هذه الحياة.. لا أريد هذه الحرية.. فلا معنى للحرية دون عائلتي.. دون حضن أبي.. وطيبة قلب أمي.. أو شقاوة إخوتي.

طلع الصباح، نهضتُ منادياً على أمي وإخوتي، لم أجد أحداً منهم، فهل سبقوني ليزوروا قبر والدي الشهيد؟ كيف يعقل بهم أن يذهبوا من دوني، ربما حاولوا إيقاظي دون جدوى، فأنا لم أنم جيداً منذ فترة. ارتديت ثيابي وذهبت مسرعاً، فلا أريد من أمي أن تشكيني لأبي.. وعدته بأن أكون طفلاً مطيعاً ورجل المنزل من بعده. ركضت صوب المقبرة، وكلي أمل أن أُحدِّث والدي عن انتهاء الحرب، فقد مر وقت طويل ولم أزره. لا أعرف لماذا كنت سعيداً، ركضت كطفل عرف الآن معنى الحرية، حرية دون خوف، هي الحرية التي ثرنا من أجلها. توقفت من بعيد، أرقب قبر والدي، متعجباً!..

مهلاً، "لم يكن هناك قبور تلاصق قبر أبي! أين أمي وأين إخوتي؟ هل عادوا إلى البيت؟".. اقتربت من القبور ببطء، وكانت كالصاعقة عليّ، قبرٌ لأمي ولإخوتي الثلاثة، قرب قبر والدي.. توفوا قبل سنة من الآن.

كانوا قد رحلوا وتركوني.. ولكن.. كيف! كان من المفترض أن ألعب مع إخوتي اليوم، والدتي هي من وعدتني بذلك.
أنا ما زلت صغيراً، لا يمكن لطفل صغير أن يتحمل مسؤوليته لوحده!
أين كنت أنا؟ كيف لا أعرف بوفاتهم؟ كيف رحلوا وتركوني هنا؟
كفى.. لا أريد هذه الحياة.. لا أريد هذه الحرية.. فلا معنى للحرية دون عائلتي.. دون حضن أبي.. وطيبة قلب أمي.. أو شقاوة إخوتي. اقتلوني الآن وأعيدوني لحياة فيها عائلتي.. فأنا أريد معانقتهم.. أنا أشعر بالخوف..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.