شعار قسم مدونات

بين فيلم "مولانا" وفيلم "ريّسنا"

mawlana
أول حاجز تصطدم به قبل حتى مشاهدة فيلم "مولانا" هو معرفتك بأنّ الفيلم عن رواية لإبراهيم عيسى، وأنّه هو كاتب الحوار في الفيلم، وبهذا يتشكّل لديك تصوّر مُسبق عن ماهية الأفكار التي سوف تُطرح في الفيلم وأنّ القصّة لابدّ أن تكون عدائية بشدّة للإسلام. وبغرض الوصول إلى حكم قريب من الصواب إلى حدّ ما على هذا الفيلم من الهام تجميد حقيقة أنّ إبراهيم عيسى هو الكاتب ولو مؤقتاً حتى نهاية الفيلم.

مولانا بطل الفيلم هو الشيخ الأزهريّ ( حاتم المنشاوي ) ويقوم بالدور الممثّل عمرو سعد، و هو شيخ دعايات أو كما يقول مولانا في الفيلم : "أنا مركّز في الوعظ مش في العلم، في الدعاية مش الهداية". الشيخ حاتم داعية ذو شهرة على الشاشات محبوب لدى العامّة لآرائه التي لا تثير الجدل أو تميل إلى أيّ نوع من التطرّف، وفي الوقت ذاته لا يتناول مولانا أيّة قضايا قد تؤلّب النظام وسلطاته عليه فهو مسالم للغاية، لكنّه يعاني من انفصام فكري عميق أو يمكن وصف حالته بالنّفاق، فهو لا يقول على الشاشة إلّا ما يرضي الجمهور ويجلب "الزبائن" على حد تعبيره، في حين هو ذاته ليس مقتنعاً بهذه الآراء ويعتقد بخلافها لكنّه في أكثر من مشهد في الفيلم يبيّن بأنّه لو تحدّث بهذه الآراء ستقوم عليه مصر كلّها وسوف يخسر "أكل عيشه".

مشكلة فيلم مولانا الرئيسيّة عدم وجود قصّة للفيلم وفقدانه لأيّ تسلسل منطقيّ للأحداث، فجميع مشاهد الفيلم تمّ خلقها بالإجبار لإعطاء الشيخ حاتم الفرصة ليتحدّث بأرآء إبراهيم عيسى الجدليّة حول أبرز القضايا الإسلاميّة.

شخصية مولانا سريعة استحضار الدعابات لجمهورها خفيفة الظلّ تُقدّم الدين بصورة مُبسّطة وتَحْذَر في كل حرف تتناوله بحيث لا تخالف الرقابة المجتمعية أو الأمنية، وتظهر في الفيلم ثروة مولانا الطائلة جرّاء نشاطه الإعلاميّ في منزل فخم وسيارات فارهة، وتنعكس شهرته من خلال مشاهد المعجبين الذين ينتظرونه بعد فراغه من تصوير حلقاته ويصطفون على أبواب المساجد لنيل بركته، فجأة يتورّط مولانا مع عائلة رئيس الجمهورية عندما طلبوا إليه المساعدة في منع (حسن أو بطرس) أخ زوجة نجل الرئيس من التنصُّر، ينتهي الفيلم بمشهد تفجير الكنيسة على يد حسن كمتطرّف إسلامي.
كيف ولماذا حدث هذا لن يعلم المشاهد.

هذه هي الحكاية أو بالأحرى ( اللا حكاية )، مشكلة فيلم مولانا الرئيسيّة عدم وجود قصّة للفيلم وفقدانه لأيّ تسلسل منطقيّ للأحداث، فجميع مشاهد الفيلم تمّ خلقها بالإجبار لإعطاء الشيخ حاتم الفرصة ليتحدّث بأرآء إبراهيم عيسى الجدليّة حول أبرز القضايا الإسلاميّة، وجميع الممثلين في الفيلم يتمّ إقحامهم بالظهور، فدون مقدمات تتنقّل بينهم المشاهد ليُطرح سؤال على مولانا أو نقاش فيتحدث هو برأيه في المسألة مع غياب التناسق السرديّ لسيناريو الفيلم، أمّا عقدة الحبكة وجوهر الصراع فليس مفهوماً هو بين البطل ومَنْ؟ فلا مشكلة لمولانا مع السلطة ولا مع الفكر الديني التقليدي ولا مع الجمهور ولا مع الدين المسيحيّ، فأين العقدة؟ أداء عمرو سعد المتقن للغاية وفيه الكثير من الإبداع لم يكن كافيّاً للتغطية على عيب فقدان الفيلم للحبكة.

لكن على الرغم ممّا ذكرناه أعلاه، فهناك رسائل في الفيلم وإنْ عُرضت بشكل رديء لكنّها تستحق التوقّف، وهي أربع رسائل:

الرسالة الأولى – حقيقة إسلام فتيات النصارى في مصر: في أحد مشاهد الفيلم التي تظهر فجأة دون مُبرر تتمّ دعوة مولانا لحضور حفل زفاف في الأرياف المصريّة لفتاة نصرانية على شاب مسلم بعد دخولها في الإسلام، يظهر سبب إسلامها بأنّ والدها عربيد وسِكّير يضربها بشدّة فلاذت منه بالفرار وأسلمت حتى لا تضطر للعودة إليه فقام "شيخ البلد" أو "الكبير" بحمايتها وأعلن أنّه متكفلٌ بجميع مصاريف زواجها من أيّ شاب مسلم، فينهال الشباب للزواج بها فكما يُقال لمولانا في الفيلم مِن أحدهم: "طبعا الخناقة على الجوازة الجاهزة بقت ولا سبق الخيل.. أصل البتّ بيضا وعينيها خضرا وزي القمر". الرسالة بالطبع شديدة الوضوح بتسخيف أسباب التحوّل العقائدي والتركيز على جشع الشباب المسلم.

الرسالة الثانية – صناعة الصراع التكفيري: يبرز في الفيلم بأنّ الدولة توظّف أدعياء الفكر السلفيّ لخدمة مصالحها، ففي أحد مشاهد الفيلم يعتلي إمام مُعيّن من قبل الدولة بهيئة سلفيّة منبر مسجد للصوفيّة ويبدأ بتكفير الصوفيّة ويتفاعل المصلّون معه ويبدأون بالهتاف، هم أنفسهم هؤلاء أدعياء السلفيّة في نهاية الفيلم يقومون بإحراق منزل أحد كبراء الصوفيّة الذي كشف سرّ المرض النفسيّ لنجل رئيس الجمهورية، وبهذا يظهر التنسيق الخفيّ بين الدولة وبين الجماعات المتطرّفة لإنجاز أعمالها القذرة.

ما جاء في فيلم "مولانا" لم يكن صادماً، بل نتاجاً طبيعياً لمرحلة سياسية يعيش فيها وطن بأكمله رهينة لفيلم الواقع "ريّسنا"، في هذا الفيلم يتراجع الأزهر فيه عن دوره الرياديّ أو حتى دوره العادي في الحفاظ على هيبة العمامة الأزهريّة.

الرسالة الثالثة – علاقة أمن الدولة بتفجير الكنائس: (حسن) أخ زوجة نجل رئيس الجمهوريّة ومفجّر الكنيسة، هو تحت مراقبة أمن الدولة على مدار الساعة كما يظهر في الفيلم، وأنّ آخر تواجد لحسن قبل التفجير كان في مقرّات أمن الدولة، وبالرغم من معرفة الكنيسة ذلك، واقتنائها لشريط مراقبة تسجيليّ يُظهر قيام حسن بتفجير الكنيسة، إلّا أنّها ترفض الخوض في نزاع مع السلطة بحجّة وأد الفتنة مع المسلمين بيد أنّ صراعها الحقيقيّ مع أمن الدولة.

الرسالة الرابعة – الدعاة المدلّلون: تظهر في الفيلم بصورة جليّة سياسة الأجهزة الأمنية مع مولانا، ففي الأمس القريب احتفت الصحف بصورته وهو يلعب مع نجل رئيس الجمهورية كرة قدم فترتفع أسهمه لدى الأجهزة الأمنية، لكن اليوم يتمّ اعتقاله والإلقاء به في غرفة تحقيق المخابرات وإهانته، والعمل على إسقاطه أخلاقياً وإذلاله على شاشة الفضائيات.

وهذا المشهد واقعيّ جداً وقد تكرّر في أكثر من بلد عربيّ، فكم من داعية فضائيات مشهور كان مقرّباً من السلطات والأنظمة وقربه كان على مستوى رأس الهرم في الدولة وبمجرد انتهاء دوره أو قيامه بأبسط فعل مغاير لرغبات الدولة يتمّ حرقه وكأنّه لم يكن.

ما جاء في فيلم "مولانا" لم يكن صادماً في ظنّي، بل نتاجاً طبيعياً لمرحلة سياسية يعيش فيها وطن بأكمله رهينة لفيلم الواقع "ريّسنا"، في هذا الفيلم يتراجع الأزهر فيه عن دوره الرياديّ أو حتى دوره العادي في الحفاظ على هيبة العمامة الأزهريّة، والحبكة الدراميّة في فيلم "ريّسنا" تقتضي محاربة كل ماهو رمز إسلاميّ بدعوى الأخونة أو التطرّف، وهذا هو الفيلم الذي يجب وقف عرضه وسحبه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.