شعار قسم مدونات

الحبُ كذبةٌ.. لذا؟

blogs - Love - Blood
يختلفُ المقالُ في الحب، كاختلافٍ الساسةِ والسياسة، وتجذرِ اختلافنا في كل حدثٍ وحديثٍ تجرهُ إلينا هذه الحياة.
الحبُ كذبةٌ في بلادي، ككذبةِ مسيلمة، وكذبات التائهينَ في طريقِ الحق، العارفينِ بالشر لتضادهم مع الطريق ولكنهم لا يأبهون، ينتعلون تضادهم ومعرفتهم هذه ويسيرون طريقهم عكس كل حق وفطرة، فالخرابُ يُجاورُ في أعماقنا مرضَ النفوس فينا، فتختلطُ المشاعرُ الطيبةُ بخبثِ النفسِ ودنائة المراد، ليكونَ الحق رداءً يُرادُ به باطل.
وهذا هو الحبُ في بلادي.. يُمسَكُ كشعلةٍ تُنيرُ الفراغَ حولها ولا قوةَ في ذاتها، فيجبي المارونَ بقربها بهجرًا مصطنعًا لا طائلَ منه أو فيه، لم؟ وكيف كل هذا؟
ما رأيتُ الحبَّ مبتذلًا لهذا الحد في قومٍ كما أراه في مجتمعاتنا اليوم، يُلد من كلمةٍ أو همسةٍ تطرقُ صندوقَ الرسائل، أو أحرفٍ تُنقش على صفحات المواقع التي تغزوا عوالمنا، أو يتجذرُ بنظرةٍ ورغبةٍ وأمنيةٍ عابرة، لا أرى في هذا إلا عجبًا فلا يُلدُ العظيم بهذا الهونِ ولا الضعفِ أبدًا. الحب جليلٌ أصالةً لاتصالِ بعمقِ وجودنا الإنساني، متجذرٌ في القدمِ، حدَ البعدِ في أصلِ إنسانيتنا، فإن أتى أو خطا لا أظنهُ يأتي على سفاهةٍ أو تفاهة، ولا يُولدُ إلا كما تُولدُ القداسةُ إلى عرشها.

الحبُ خليةُ الروحِ الأولى، ودفءُ مساماتها لأنه عطاءٌ إلهي بالروحِ ونفخها، وهو مستَقِرٌ في القلبِ، لذا فما لامسَ صفحةَ القلبِ ومرآةَ النفسِ، وما خُلق من روحِ الأبدِ، لابد ألّا يكونَ إلا قُدسيًا لا يمت لغرائز الزوال بصلة.

ابتدأ الحبُ كعطاءٍ إلهي لهيئتنا الأولى – هيئة خلقنا الأول – لكان العطاء عطاءَ تكريم ورحمة لانتقالِ البشريةِ من فناءِ العدم إلى وصل الوجودِ ،عندما كانت البشرية أنفاسًا تسبحُ في ملكوتِ رحمته، في عوالم غير هذه العوالم التي نعلم، وهنا كانَ علةُ وجودنا ونقطةٌ الخلق الأوضح لنا، هذا في البدءِ والإبتداء، وبعد هذا أتى الحب ليكونَ طلبًا فطريًا تابعًا لعلةِ الوجودِ والخلق، ليكونَ أبانا آدمَ مناديًا به، لتأتي رحمةُ الله هنا وتقطفَ من وجودية آدمَ وكينونتهِ حبًا خالصًا تمثلهُ حواء بكل كمالها البشري الممنوح من الله، وتكونَ اكتمالًا وكمالًا لوحدةِ آدمَ في الجنة، وفيكونَ الحب هنا هيئةً معاينةً وسببًا مُدركًا.

هذا هو الحب! فكيفَ لغرائزِ البشرِ أن تُدنسهُ، وتُلطخَ حبائل وصلهِ مع الله، بكلِ قذاراتِ الإساءةِ البشرية؟

الحبٌ كذبةٌ إذا ما اتُخذَ بالصورة هذه، غريزيٌ لحظيٌ لا يتعدى لغةَ المادة ولا ينعتق منها، يتماها بعيدًا عن أصالتهِ وأصلهِ الأبديين، وعن صفاتِ منحهِ المباركة المستدامة. ناهيكَ عن عظمةِ خلقتهِ وكينونةِ ولادته، الحبُ خليةُ الروحِ الأولى، ودفءُ مساماتها لأنه عطاءٌ إلهي بالروحِ ونفخها، وهو مستَقِرٌ في القلبِ، لأنهُ منتزعُ من ضلوعهِ على هيئة أنثى الكمال الإنساني والفطري، لذا فما لامسَ صفحةَ القلبِ ومرآةَ النفسِ، وما خُلق من روحِ الأبدِ، لابد ألّا يكونَ إلا قُدسيًا لا يمت لغرائز الزوال بصلة، وهذا الوعي ضرورةٌ لازمةٌ لإحياءِ أصل الروحِ وحبها، ومنبتِ الخلاصِ المُنتقى لكل وجعٍ تتكبدهُ هذه الحياة من سقمنا المتأصل في مفاهيمها العميقة والأبدية، والتي توصل وجوديتنا الفانية إلى نورانيةِ الأبد المحضِ المتصلِ بكرم الله سبحانه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.