شعار قسم مدونات

أحبّوا أولادكم دون شروط.. أرجوكم!

blogs - Children

نولد كصفحة بيضاء لم يكتب بها شيء بعد، ثم يبدأ ما حولنا يطبع على هذه الورقة من أحداث ومشاهدات ومواقف تُرَسّخ أُسس هذا الكتاب الناشىٔ الجديد وتصبغه البيىٔة المحيطة بما يشبهها فتضع له قواعده الذى يبني عليها بعد ذلك قيمه ومبادىٔه وأسس تفكيره.
هناك من يكتفى بذلك وهناك من لا يُشبِعَهُ نهمه إلاَّ أن يَطَّلِع على بيىٔات أخرى وثقافات أخرى فيُفاضل وينقِّح ويَخرج بمحتواه الفريد.. هناك من يَطَّلِع أيضاً عليها من نافذة السطحية فلا يملك إلاَّ أن ينبهر لاغياً كل تفكير وتنقيح، فيصبح مقلداً صورة لا معنى لها، لا هي ما اعتاده ونشأ عليه؛ ولا هي ما اجتهد فى تقليده فيصير مشتتاً لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فيصبح مذبذبا غير ذي قدرة على الاختيار إن سألته ماذا تريد حقا.. ارتبك وظل يبحث هنا وهناك ثم لا يتحمل ثِقَل تلك المسؤولية فيرميها على عاتقٍ آخر علَّه يحملها عنه فيستريح من عناء ضغطٍ تكاتف على عقله ولم يجد منه إلا ذلك المخرج.
 

في فيلم "Pay It Forward" طلب المعلم من كل تلميذ أن يقدم فكرة يمكن بها أن يُحدث أثرا فيمن حوله، وبالتالي فهى فكرة لتغيير العالم للأفضل.. أخذ كل تلميذ واجبه العملي على عَاتِقِه فهو مسؤوليته وحده وتفكيره واختياره الحر. ذهب أحدهم إلى معلمه وقد تَفتَّق ذهنه عن فكرة أدهشت معلمه؛ فشجع التلميذ على تنفيذها وكانت أولى خطواته أن أسماها "Pay It Forward" .الفكرة في مضمونها هي حث الغير على أن يقابل إحسانا بإحسان، لكن ليس بالضرورة لنفس الشخص فربما ما عاد موجوداً فى حياته.. فإن قَدَّم لك أحدهم أي نوع من المساعدة فأنت مُلزَم أن تقدم لثلاثة أشخاصٍ آخرين نوعاً من المساعدة كلٌّ فيما يحتاج، ويصبح كل واحد من الثلاثة مُلزَما بتقديم المساعدة لثلاثة آخرين، وهكذا حتى تصبح شبكة ممتدة لا نهاية لها من فعل الخير، وبذلك يتغير العالم إلى مكان أفضل يساعد الأشخاص بعضهم البعض ودون أي مقابل مادي.
 

لم يتربى كل طفل من أطفالنا على أنه شخصية فريدة فى حد ذاتها تختلف بالضرورة عمَّن حوله، فليس الهدف استنساخ مَن حوله فى شخصه، ولكن اكتشاف تَمَيُّزَه هو.. وبالتالي تنميته وإظهاره.

(طفلٌ صغير وثق معلمه بقدراته وأعطاه حرية التفكير ثم آمن به فحرَّره من إمكانية التراجع والإقدام خوفا من آراء الغير وتثبيطهم له…) هل هذا ما يحدث عادة في مجتمعنا؟! بالطبع لا! فلم يتربى أطفالنا على مفهوم الحب غير المشروط، وهي "أني أحبك لذاتك لا لدرجاتك ولا لشكلك ولا لطريقة لبسك مثلا أو حتى مقدرتك على فعل أى شىٔ أيَّاً كان".. لم يتربى كل طفل من أطفالنا على أنه شخصية فريدة فى حد ذاتها تختلف بالضرورة عمَّن حوله، فليس الهدف استنساخ مَن حوله فى شخصه، ولكن اكتشاف تَمَيُّزَه هو.. وبالتالي تنميته وإظهاره، لكن ما يحدث هو النقيض، فيجد الطفل نفسه في موضع لا بد أن يقدم فيه مقابلاً حتى تتم تلبية احتياجاته الأساسية، وحتى يتقبله من حوله..

فما أكثر ما يردد الآباء على مسامع أطفالهم "لو مسمعتش الكلام مش هحبّك" و"لو مشربتش اللبن مش هتبقى شاطر" والطامة الكبرى إذا تمت مفاضلته بغيره "شوف أخوك شاطر وبيسمع الكلام ازّاي هودّيه الملاهى وانت لأ" فيتولد لديه شعور بأنه لا يملك الحق فى التفكير ولا فى الاختيار.. ويترسخ بداخله أن الحب والقبول والاحترام هى أشياء مشروطة، ولا بد له أن يقدم المقابل لكي يكون له حظ منها فيتحول تفكيره من ماهية اكتشاف ذاته إلى كيفية اكتساب القبول وسط مجتمعه فيصبح الأهم لديه هو إعجاب الآخرين به وليس ثقته بنفسه وقناعاته.

يظهر ذلك السلوك جليّاً فى أعظم خُدعة يُصِرُّ مجتمعنا المصري على عدم تفاديها، مهما تفوهت الألسنة بمفاهيم الاختلاف وحرية الاختيار وتنوع المواهب والقدرات، يظل ذلك الشيطان المارد قابعاً فى عقله، وإن لم يكن التعليم هادفاً فلا يهم، فالأهم من كل ذلك المجموع وكليات القمة ولا أدري حقا ما يجعل كلية ما قمة عن غيرها! ولكنني أعلم جيداً أن الشخص هو من يبني القمة بأخلاقه، بقناعاته، بموهبته، باحترامه لاختلاف من حوله عنه، فليست القمة هي من تبني الشخص، وعلى ذلك فليتنافس المتنافسون.
 

ويقع الطفل المسكين في مأزق.. فهو يريد الاهتمام، يريد أن يُحب ويُتقبَّل ويُحَسَّ به، فيبحث عن المقابل فيَهديه تفكيره أنه لن يكون ذا شأن بغير مجموعٍ يُرضي الآخرين عنه فيصبح بينهم محموداً، فلن يرضى أن يصير في نظرهم بليدا غير ذا معنى فيضيع فى دوامة اختيار المجتمع له حتى يصل يوماً في حياته إلى طريق مسدود، ساخطاً على نفسه وعلى مجتمعه، ففي النهاية لن يتحمل غيره عاقبة الاختيار، وفي تلك اللحظة بالذات إن أتته الفرصة ليعدل مساره ويجد نفسه من جديد، فلن تواتيه الشجاعة لسلوك هذا الدرب فلم يتعود يوماً أن يكون صاحب قراره ولم يتعود يوما أن يقف ليدافع عن قناعاته.

أرجوكم تعلموا أن تحبوا أبناءكم دون شرط حتى لا يأتي يومٌ تلومونهم على ما زرعتم في أنفسهم ويلومونكم على ضياع أنفسهم..

فى تلك الرحلة العصيبة تموت الكثير من المواهب وتُوأَدُ القدرات فى مهدها، فيتحول المجتمع إلى نسخٍ عديدة متشابهة بالكاد تستطيع التفريق بينها، فما يكاد أن ينتهي يومهم كي يبدأ يومٌ مشابهٌ آخر لا يختلف كثيرا عما قبله.

وهنا لنا وقفة.. فمتى نقرر أن حب الأبناء يأتي بزرع الثقة في نفوسهم.. باستيعابهم أن كل شخصية تختلف عن الأخرى.. وأن كل فرد هو مميز بذاته وليس بأن يكون نسخة من غيره؟! متى سنكون قادرين على وضع المعطيات أمامهم ثم نترك لهم كامل الحرية كي يختار كل منهم طريقه؟! متى نعلمهم أن الأمر شورى لكن الاختيار قرار؟! ومتى نفهم نحن أن الرحلة مليىٔة بدروس الحياة التي لن يعلِّمها لهم يوماً مدرّس الفصل ولا مجموع الثانوية العامة؟! ومتى سنقدِّم الحب لأبناىٔنا دون شرط أو قيد كي يستطيعوا هم تقديمه لغيرهم ولأوطانهم دون قيد أو شرط ودون إحساس بالظلم أو انتظار المقابل؟! متى سنتمنى لأبناىٔنا أن يصبحوا أسوياء وليس فقط من أصحاب الألقاب؟!! ومتى نرسخ فيهم فعليا أن رضا الله غاية لا تترك ورضا الناس أبداً لن يُدرَك ؟! أرجوكم تعلموا أن تحبوا أبناءكم دون شرط حتى لا يأتي يومٌ تلومونهم على ما زرعتم في أنفسهم ويلومونكم على ضياع أنفسهم..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.