الصراع الفكري يشتغل فينا

Relatives carry the coffin of British-Algerian journalist Mohamed Tamalt, British-Algerian journalist who had died six months after staging a hunger strike in Algiers over his detention for publishing articles seen as offensive to President Abdelaziz Bouteflika, during his funeral in Algiers, Algeria December 12, 2016. REUTERS/ Ramzi Boudina
جاء النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- برسالة الإسلام وفي جوهرها مبدأ التوحيد، هذا التوحيد الذي في جوهره رؤية للعالم، ومبدأ عقدي إيماني يؤمن بالله واحدا أحدا إلها وربا للعالمين، كما أن هذا التوحيد يشكل مبدأ اجتماعيا ومبدأ معرفيا ومبدأ ثقافيا ومبدأ جماليا، نقل به محمد -صلى الله عليه وسلم- الوعي الإنساني من مرحلة الانتماء القبلي والاستغراق فيه والوقوف عنده، إلى الانتماء الإنساني المنفتح على مختلف أصناف البشر.
 

وهذا لا يعني أن الإسلام جاء لنفي الانتماء الطبيعي للشعوب والقبائل، وإنما جاء الإسلام ليوجه هذا الانتماء الطبيعي حتى لا يتحول غاية في ذاته، وإنما يبقى وسيلة لما هو أرفع، ولما يحقق رسالة الإنسان في الوجود، ولذلك رفع وعي الإنسان إلى أن هذا الانتماء ليس معيارا للتفاضل والتميز، بل المعيار يبنى على جهد الإنسان ووعيه، إنه التقوى؛ والتقوى في جوهرها موقف واع تجعل الإنسان يؤمن بمبدأ معين وينسجم معه.
 

من أخطر هذه الطرق التي يستخدمها الصراع الفكري هي أن يوجه قوانينا للداخل وإحداث التناقض بينها، بل وتذكية الصراع بينها إلى درجة أن تفكيك المجتمع، وتضارب قواه التاريخية.

ولهذا جاء رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لتفكيك سبل التنازع كما يقول ابن خلدون، ويمنع التفاضل والتنافر بين هذه الانتماءات الطبيعية، ويوجهها للتكامل والتراحم، فأسس بذلك أول حضارة لا تقوم على قوم معينين أو شعب معين، بل شعوبا وقبائل متعددة، فكانت هذه الامة وهذه الحضارة لا يمكن ان تنسب للعرب أو العجم، بل تنسب للإسلام.
 

فالإسلام ألف بين قلوب الناس في أمة واحدة، ونقل الناس من الانتماء القبلي المتفاضل المتنافر إلى الانتماء القيمي المتكامل المتراحم. لكن في عصرنا الحديث، ومع تخلي المسلم عن أداء دوره الحضاري وتوقفه عن الاجتهاد في إبداع الحلول وتحقيق الإنجاز في الواقع، غلب علينا المنطق الغربي الحديث القائم على الانتماء العرقي العنصري والإعلاء من شأنه.

فكانت موجة الاستعمار الغربي الحديث للعالم الإسلامي، التي فككت الرابطة الإسلامية بين مكوناته التاريخية من الشعوب والقبائل المختلفة، وأحلت محلها الانتماء القومي الضيق، ونشأ بفعل هيمنة ثقافة الغرب الاستعمارية، وبفعل هيمنته عقودا من الزمن على مصائر شعوبنا، نشأت طبقة من أبناء المسلمين تبنت الرؤية الغربية للحياة، وتبنت مقولات الفكر الغربي، أضف إليها أن الأنظمة الحاكمة في معظم بلداننا بعد انزياح موجة الاستعمار التقليدي كانت نخبا حاكمة بأيديولوجيات غربية، لا تراعي مقومات الانتماء الحضاري الإسلامي لمتنا، إضافة إلى الاستبداد الذي قامت عليه هذه أنظمة، فلم تفسح أي مجال لنمو الأفكار نموا طبيعيا، ولا مجال للحريات الطبيعية للناس في أوطاننا.
 

ونشأت تيارات عنصرية وإيديولوجية، تعمل على استكمال مشروع الاستعمار التقليدي بطرق حديثة، فتعمق شرق الاغتراب الحضاري الذي تعيشه أمتنا بفعل ذلك. وفي بلادنا جاء "أولاد فرانسا" الذين تربوا على عينها قبل الاستقلال وبعده، وأرادوا أن يفرقوا بين مكونات مجتمعنا التي ألف بينها الإسلام، وتمزيق من ألف الله بين قلوبهم في هذه البلاد الطيبة.
 

والحمقى -من بيننا- الذين يخوضون حروبا طاحنة بين بعضهم البعض سيحدث لكم مثلما حدث لملوك الطوائف؛ كانوا يقاتلون بعضهم، بينما العدو يأكلهم واحدا تلو الآخر، حتى لم يبق منهم أحد بعد ثمانية قرون من الحضارة الإسلامية في الأندلس.

ويد الله التي جمعت بين أبناء يعرب وأبناء مازيغ في وحدة إسلامية واحدة على أيدي أجيال من أبناء الإسلام والجزائر، منذ أول ما دخل الإسلام هذه الأرض، مرورا بأجيال من الأحرار إلى غاية اليوم، يأتي اليوم أولاد فرنسا ويعملون فينا مبضع التفرقة العنصرية، بالرغم من أن هذا التنوع علامة ثراء وقوة، كما كان عبر التاريخ، لكننا بجهلنا سنحوله إلى عامل تمزيق.
 

وخاصة أن النظام الفاسد المفلس يشتغل به ليضمن استمراريته وهيمنته على مصير شعبنا، ومواجهة كل تغيير يجعل الشعب يختار من يحكمه بحرية وشفافية واختيار حر. ولهذا فإنه يستمر في تذكية مثل هذه الصراعات الوهمية التي تحولت إلى صراعات حقيقة ستخرج سفينة الوطن وتغرقنا جميعا.

إذا لم تبادر نخبة المجتمع من علماء ومفكرين ومثقفين وقيادات سياسية واجتماعية إلى تفكيك خيوط مؤامرة الصراع الفكري، فإن سحر الصراع الفكري سيجلب لنا المستعمر القديم والجديد، وحينها لا ينفع الندم.

إن قوى الصراع الفكري الاستعماري بامتداداته الخارجية والمحلية تعمل على إعاقة طريق النهضة بكل السبل، ومن أخطر هذه الطرق التي يستخدمها الصراع الفكري هي أن يوجه قوانينا للداخل وإحداث التناقض بينها، بل وتذكية الصراع بينها إلى درجة أن تفكيك المجتمع، وتضارب قواه التاريخية.
 

وهذا ما يحدث مع بلادنا، حيث عمل الاستعمار ومراكز قواه إلى إغراق المجتمع بصراع هوياتي مستحدث يقوم على النفي والنفي المضاد، مع تغلغل وهيمنة أنصار الفكرة الغربية التغريبية في كل دواليب الإدارة والحكم، مع فتح باب التيارات الوافدة شرقيها وغربيها لإذكاء الصراع، حتى لا تتوحد قوى هذا المجتمع وتتوجه نحو إحداث نهضة من خلال صياغة مشروع مجتمع يتبنى الانتماء الحضاري الإسلامي للمجتمع، ودمج مكونات المجتمع التاريخية في عملية ديناميكية تزيده قوة وتنوعا وليس تفكيكا ونفيا متقابلا.

إنها مهمة النخبة الواعية التي تتبنى الانتماء الحضاري للمجتمع الجزائري في أن تكون حاضرة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة لمجتمعنا، لتفتك المجتمع وهويته من التلاعب الماكر من نخب الانتداب والولاء الاستعماري، كما تختطفه من الانتماءات المرضية للتاريخ، وتتوجه به نحو المستقبل.

إذا لم تبادر نخبة المجتمع من علماء ومفكرين ومثقفين وقيادات سياسية واجتماعية، إذا لم تبادر هذه النخب إلى تفكيك خيوط مؤامرة الصراع الفكري، وإبطال سحرها، فإن سحر الصراع الفكري سيجلب لنا المستعمر القديم والجديد، وحينها لا ينفع الندم.

اتقوا الله في وطنكم، واتركوا معارككم الوهمية، واتجهوا للمستقبل، لبناء وطن يعيش فيه الجميع.