logo

ويستمر الطحن

الكاتب الساخر مثل تاجر الخردة، يجلس أمام الشاشة كل يوم يستعرض الأخبار المارة أمام عينيه، يقلّبها يمينا وشمالاً، يترك بعضها ويستفيد من بعضها الآخر يبقى يفاضل بين زخم المعروض اليومي حتى يلاقي ما يجلب له فكرة رابحة.

لكن وأثناء هذا النشاط المعتاد -وكما يجري أحياناً مع تاجر "المستعمل"- يحصل على جهاز كهربائي بنصف عمره، أو طقم أثاث متهالك، فيستصلح من هذا قطعة صغيرة ومن ذاك جزءاً مهماً ويترك الباقي لإعادة التدوير أو للبيع بثمن بخس، وفي أوقات نادرة يقع بين يدي صاحب المهنة "قطعة" تكون "لُقطة" بالمفهوم العامي ليست بحاجة إلا لقليل من التلميع والتنظيف وشدّ البراغي وإكمال الناقص وإعادة الطلاء ليتم تسويقها من جديد..
 

قبل أيام وصلتني حكاية "لُقطة" لا تحتاج إلا لبعض بهارات الكاتب المعتادة حتى تبدو طازجة وشهية ومعدّة للتو على نار الزمن الحاضر.

لأن الأمير أمير ولا يريد أن يضحّي بمكانته وهيبته وسمّوه، لينزل إلى معاركات الفلاحين وتنظيم والإشراف على العمل بنفسه، كما لا يريد أن يغبرّ طربوشه الأحمر القاني بغبار الطحين.

تقول الحكاية:
"في زمن الدولة العثمانية، كان أحد أمراء لبنان وكيلاً لمطحنة وحيدة يملكها أحد باشوات "آل عثمان" الكبار، هذا الباشا ترك للأمير العربي إدارتها، وساعات تشغيلها، وصيانتها، لكن الأرباح تعود للباشا العثماني وللأمير اللبناني مناصفة..
 

ولأن الأمير أمير ولا يريد أن يضحّي بمكانته وهيبته وسمّوه، لينزل إلى معاركات الفلاحين اليومية وتنظيم الدور وتفقد الدواليب والإشراف على العمل بنفسه، كما لا يريد أن يغبرّ طربوشه الأحمر القاني بغبار الطحين، فمكانه الطبيعي القصر لا بيت المطحنة وهناك في القصر ستأتيه أرباحه كاملة وهو جالس في مكانه وبين ساقيه أرجيلته المزركشة، فقد كلّف الأمير طحّاناً يتولى شؤون المطحنة التشغيلية، وطلب منه أن يكون صارماً وحازماً وغليظاً مع الفلاحين والفقراء فهؤلاء كما أخبره الأمير "ما بينعطوا عين"، كما طلب منه الأمير أن يستوفي أجراً من كلّ مدّ قمحٍ "ثمنيّة" طحين، مع العلم أنّ الثمنيّة هي مكيال يعادل 1\8 من المدّ، ولذلك سميت ثمنيّة.
 

في الصباح الباكر يفتح الطحان بوابة المطحنة، يتفقد مسننتها، ينظف بيوت العنكبوت في زوايا السقف العالي، ويطلب من الزبائن الوقوف تباعاً، ممنوع الجلوس، ممنوع الكلام، ممنوع النقاش، ممنوع الجدال، فلا صوت يعلو على صوت المطحنة.. ومن ينهي "طحنته" عليه أن يغادر فوراً، لكن قبل ذلك يجب أن يدفع الأجرة من الطحين الطازج..
 

بعض الزبائن لاحظ أن الطحان يكيل القمح قبل طحنه "بصاع" أصغر حجمًا ممّا يجب أن يكون، ثم يستوفي الأجرة طحينًا بثمنيه أكبر حجماً ممّا يجب أن تكون، بدأ الفلاحون يتناقلون الملاحظة ويتساءلون فيما بينهم فكل منهم يعرف المكيال وخبير به فهو مقياس التجارة والمقايضة اليومية في القرية.. أخيرا سرت بين الناس موجة من التذمّر بلغت مسامع الأمير، وكعادة الأمراء دائماً، لا يحلون المشكلة ولكنهم يستبدلونها بمشكلة أخرى، فقد قام الأمير بإصدار قرار فوري بإقالة الطحان القديم واستبداله بطحّان آخر، تالياً عليه نفس التعليمات: عليك أن تكون حازماً صارماً وغليظاً مع الفلاحين واترك شكواهم -إن كان لهم شكوى- تتصاعد لتصلني فأحلها بمرسوم أميري أو بمكرمة يتلقّونها بسعادة غامرة".

مرّت أيام قليلة على الطحان الجديد وإذا به يستخدم نفس الصاع ونفس الثُمنية.. لفت الناس انتباه الطحان إن ما شكواهم من سابقه إلا على ذات الصاع والثمنية، لكنه لم يستمع للشكوى واستمر بجلب الأرباح للأمير بمكاييل المطحنة نفسها..
 

ثمنيّة الأمير" ما بتغلط…أيديكم هي العوجاء".. ابتلع الحضور شكواهم واضعين أياديهم العوجاء على قلوبهم خوفاً واعتذاراً.. ليستمر الطحن حتى اللحظة.

تعالى الاحتجاج من جديد واشتدّ الهياج، فبادر الأمير بمكرمة إبداله بطحان آخر، الطحان الجديد استخدم نفس الأدوات.. حيث بقي الصاع وبقيت الثمنيّة، فشكلوا وفدًا لمقابلة الأمير وعرضوا الأمر عليه والتدخل المباشر لينصفهم من جشع و"حرمنة" الطحّانين.
 

وما أن جلسوا في مجلس الأمير حتى خاطبهم بلسان الحكمة: "إخواني.. أحبائي.. تعرفون جيداً أن لا هم لي الا همّكم.. أنا منكم وأعمل ليل نهار لأجلكم.. المطحنة مطحنتكم ولا تهمّنا إلّا مصلحتكم. وقد أبدلنا أولئك الحرامية من المطحنجيّة حرصًا على المصلحة الوطنيّة.
 

وإذا كان من يتولّى المطحنة حاليًّا ليس على "قد الخاطر" أبدلناه بسواه حتى يأخذ الحقّ مجراه" فقالوا: "ولكن طال عمرك سيدنا، فإنّ العلّة ليست بهؤلاء الطحانين بل بالوزن وبالصاع والثمنيّة". فصاح بهم الأمير محتداً.. "لحدّ هون وبس.. الصاع صاع الإمارة والثمنيّة ثمنيّتها، ولا أقبل أن يتطاول أحد على نظام الإمارة وقوانينها.. هذه أدواتنا وهذه مكاييلنا.. "ثمنيّة الأمير" ما بتغلط…أيديكم هي العوجاء".. ابتلع الحضور شكواهم واضعين أياديهم العوجاء على قلوبهم خوفاً واعتذاراً.. ليستمر الطحن حتى اللحظة.



حول هذه القصة

يمكن تلخيص فكرة المقال برسالة متخيلة إلى الحكام صادرة من الشعوب، بلغة شركة الاتصالات: عزيزي الحاكم: بخصوص الباقات السياسية التي تستخدمونها، نود إعلامكم بأنه تقرر وقف العمل بـ”باقة الاستبداد اللامحدود”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة