logo

التعليم باللغة الفرنسية في المغرب العربي إلى متى؟

سألت أحد أقاربي الذي أرسل ابنه لمواصلة تعليمه العالي في باريس عن أحوال دراسة ابنه، فأجابني والحيرة تملأ قسمات وجهه "للأسف نتائجه سيئة! عنده عائق اللغة، هناك عدد من المواد العلمية والبحوث باللغة الإنجليزية وهو كما تعلم لا يتقن إلا الفرنسية" فسألته باستغراب كيف يدرس في باريس وباللغة الإنجليزية، فأجابني "تلك هي الحقيقة المرة".

 إذا كان هذا حال عدد من المعاهد العليا والجامعات الفرنسية في اختصاصات المال والأعمال وبعض الاختصاصات الهندسية والمعلوماتية وقد تحولت من التدريس باللغة الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية في عقر دار "موليير"، فلماذا تصر بلدان المغرب العربي التي تدعي الانفتاح على العالم على مواصلة تدريس جميع المواد تقريبا بالفرنسية في المرحلة الثانوية والتعليم العالي؟

نحن في المغرب العربي نقولها وبكل فخر: لا ينقصنا الذكاء ولا تنقصنا المعرفة ولا تنقصنا الكفاءة العلمية لكن تنقصنا القدرة على التواصل الفعال بلغة العالم وبلغة العلم والمعرفة.

لماذا هذا العبث بمستقبل أجيال تلو أخرى؟ لماذا تتشدق هذه البلدان بأنها تضم كفاءات علمية عالية وبلدان ذات باع وذراع في الثقافية والعلم في حين أن الجمود والتكلس ورفض التغيير إلى الأفضل يملأ عقليتها. لماذا نجد جامعات غانا وكينيا وعين شمس وبير زيت في مراتب متقدمة في ترتيب أفضل الجامعات في العالم ولا نجد أي جامعة مغاربية؟
 

لماذا عدد المنشورات العلمية في المجلات المصنفة وبراءات الاختراع لدولة الكويت والجمهورية اللبنانية أكثر بعشرات الأضعاف مما لدينا في المغرب الكبير؟ لماذا نجد عشرات آلاف الموظفين الأردنيين والمصريين والسوريين يعملون في مناصب عليا في دول الخليج والمنظمات الدولية وكبريات الشركات متعددة الجنسيات في حين أن أعدد موظفينا المغاربة بها بسيط جدا بل في بعض الأحيان يعد على الأصابع؟
 

نحن في المغرب العربي نقولها وبكل فخر: لا ينقصنا الذكاء ولا تنقصنا المعرفة ولا تنقصنا الكفاءة العلمية لكن تنقصنا القدرة على التواصل الفعال بلغة العالم وبلغة العلم والمعرفة. هذه حقيقة علينا أن نعيها جيدا ونستوعبها ونتوحد لإيجاد حل لها.
 

ما يثير الاستغراب حقيقة هو صمت أولياء الطلبة، وقبولهم بمنظومة تعليمية تعتمد أساسا على اللغة الفرنسية، وهي مع احترامي لكل الناطقين بها، لغة في نزول متواصل، لغة انحدرت من "العالمية" إلى "المحلية"، فهي تستعمل حصريا في فرنسا وأجزاء من بلجيكا وسويسرا وكندا وكذلك في بعض البلدان الإفريقية الفقيرة مثل تشاد ومالي والسنيغال.
 

ومن غرائب الأمور أيضا أن تجد بعض الأولياء -الذين ربما يعانون مركب نقص من اللغة الفرنسية- تجدهم يتحدثون مع أبنائهم منذ الولادة بالفرنسية ويسعون لإدخالهم لمدارس فرنسية، ولا يشاهدون إلا القنوات الفرنسية ولا يستمعون إلا إلى الإذاعات الفرنسية. والنتيجة في الأخير تلميذ أو طالب منقطع عن واقعه وعن العالم من حوله، حيث أنه لا يراه إلا من المنظور الفرنسي الذي يعادي الاختلاف ولا يقبل بتعدد الثقافات ويؤمن بالوصاية والأبوية "Paternism". والسؤال الموجه لهم هل العالم بعد عشرين سنة سيكون مثل العالم اليوم؟ والذكي من يستقرأ المستقبل ويعد الأجيال لذلك.

 

ألا يعلم المغاربة أن المنظومة التعليمية الفرنسية ليست موجودة ضمن أفضل عشر منظومات تعليمية في العالم ويمكنكم الاطلاع على هذا التصنيف، كما أنها ليست أيضا ضمن افضل عشرين منظومة تعليمية في العالم حسب تصنيف آخر. فلماذا هذا الإصرار على تحطيم أمال ومستقبل أبنائنا بمنظومة تعليمية اعترف الفرنسيون أنفسهم بفشلها ويحاولون جاهدا ترقيعها.
 

أليس من الأولى الضغط الجماعي لشعوب المغرب العربي لتغيير المناهج التعليمية الحالية، لضمان مستقبل أبنائهم وبناتهم؟ إن كنتم تنتظرون أن تبادر الدولة أو الطبقة السياسية بذلك فهذا من المستحيلات. أنظروا إلى أغلب السياسيين وعموم المسؤولين الإداريين هل يتقنون اللغة الإنجليزية؟ هل يحتاجون إلى اللغة الإنجليزية؟ هل هم واعون بأهمية التعليم باللغة الإنجليزية؟ الإجابة عموما "لا". بل على العكس فإن اللغة الفرنسية تمثل لهم منطقة رفاهية "Comfort Zone" ولا أحد يريد الخروج منها.
 

بناء مستقبل المغرب العربي العلمي يكون بتنشئة الأجيال على التشبع بلغتهم العربية أولا، ثم فتح أفاق العالم أمامهم بتمكينهم من التعلم والتواصل باللغة الإنجليزية.

هل رأيتم وزيرا أو مديرا عاما أو حزبا سياسيا أو حتى نائبا في البرلمان يعد بتغيير المنظومة التعليمية والخروج بها من تحت العباءة الفرنسية السوداء إلى الانفتاح على العالمية؟ هل وعدكم حزب سياسي واحد بأنه سيغير لغة التدريس من الفرنسية إلى الإنجليزية لإدخال المغرب العربي إلى القرن الواحد والعشرين حقيقة؟
 

لماذا هذا الخوف من التغيير نحو الأفضل نحو العالمية نحو العلم نحو الانعتاق من براثن فرنسا واستعمارها الثقافي والاقتصادي؟ لماذا لا نريد مستقبلا مشرقا لأبنائنا وبناتنا لا تكون فيه اللغة الإنجليزية حاجزا أمامهم نحو البحث والتطوير والتجديد والعالمية والتميز؟
 

إن الاستثمار في تعليم تلاميذنا وطلبتنا باللغة الفرنسية هو استثمار فاشل ومحدود الإمكانيات والنتائج، واذا كان الاقتصاد المغاربي يتطلب اللغة الفرنسية الآن فقد لا يحتاجها البتة خلال عشرين عاما. لذلك على الأولياء وخاصة أولئك الذين يُدجنون أباءهم تدجينا لتعلم الفرنسية أن يعوا أن العالم يتغير وأن العلم والمعرفة والبحث والتطور وضمان المستقبل يكون بإتقان لغة العلم والمعرفة.
 

إن بناء مستقبل المغرب العربي العلمي يكون بتنشئة الأجيال على التشبع بلغتهم العربية أولا، ثم فتح أفاق العالم أمامهم بتمكينهم من التعلم والتواصل باللغة الإنجليزية مع تربيتهم على النزاهة وحب الاطلاع والبحث وعدم الركون للمسلمات لاسيما إذا كانت موروثة عن المستعمر. لذلك على كل الشعوب المغاربية وكل الجهات الفاعلة في هذه البلدان أن تكون واعية بخطورة هذا التحدي. فإما أن نبقى منطقة إقليمية بلا علم ولا معرفة ولا مستقبل، يتعلم فيه أبناءنا فتات ما تجود به علينا فرنسا من مواد مُترجمة، وإما أن نبدأ بالتغيير تدريجيا نحو العالمية والأخذ بنواصي العلم والمعرفة ونرسم مستقبلا مشرقا لأبنائنا وبناتنا تكون أفاق العلم والبحث والتميز أمامهم مفتوحة يؤثرون ويتأثرون.



حول هذه القصة

عزا مؤتمر عقدته كلية الآداب والفنون بجامعة فيلادلفيا في العاصمة الأردنية عمان الثلاثاء الصراع بين اللغة العربية الفصحى والعامية إلى المستشرقين الذين يعملون على إعلاء الفرنسية والإنجليزية وتسويقهما أمام إظهار عجز لغة الضاد.

منذ ظهور اللغة الفرنسية بلبنان خلال القرن الثامن عشر وانتشار مدارس الإرساليات الأجنبية, برزت نخبة من المثقفين اللبنانيين ارتبطت بالثقافة الفرنكفونية، وكتبت إنتاجات مهمة بالفرنسية، ويرى البعض أن الكتابة بلغة أخرى مرده الشعور بالدونيّة، في حين يعتبره آخرون انفتاحا طبيعيا.

لا يمكن إهمال الأنطولوجيا التي وضعها وقدم لها ونقل قصائدها إلى اللغة الفرنسية المترجم القدير إدريس دو فو (Idrîs de Vos) وصدرت حديثا لدى دار النشر الباريسية “أكت سود (سلسلة “سندباد”) تحت عنوان “مدائح النبي” صلى الله عليه وسلم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة