التخصص.. الفريضة الغائبة في مجتمعاتنا

blogs - مهندس
إن أردت أن تقيم مجتمعاً ناجحاً، فعليك باختيار الشخص المناسب، ليكون في المكان المناسب، فلا يمكن لمجتمع يعتمد في العلاقات بين أفراده على أهل الثقة دون الكفاءة أن ينهض، ولا يمكن أن تأتي الكفاءة دون تخصص، وفي ظل التطور الهائل في مختلف المجالات أصبح التخصص فريضة ينبغي الالتزام بها وتطبيقها، غير أنها غائبة في مجتمعاتنا العربية.

تقول الحكمة إنه يكفيك أن تتعلم شيئاً عن كل علم، وفي المقابل عليك أن تتعلم بل تتقن كل شيء عن علم واحد فقط، فتخصصك في مجال معين، يجعلك تلم بكل جوانبه، كما يجعلك قاب قوسين أو أدنى من النجاح، ولنا في الإمام البخارى خير مثال، ذلك العالم القدير الذي تنقل من بلد لآخر عاكفاً على جمع الأحاديث النبوية الصحيحة فكان كتابه "صحيح البخاري" نموذجاً ومرجعاً لكثير من العلماء والدعاة، حتى وصف بأنه أصح كتاب فى علوم الإسلام جميعها.

والتخصص يعني "اقتصار عضو أو فرد أو جماعة على فن معين، أو عمل معين، وهو من الضرورات للمجتمع المتكامل؛ حيث يُفرِّق الأعمال والعلوم بين الأفراد، كل فرد بما وهبه الله من قدرة ومعرفة في مجاله، أو بما أُوكل إليه من مصالح المسلمين"، وذلك كما يقول الدكتور سعود الشريم في إحدى خطبه من المسجد الحرام عام 2011، ويقول الشريم إنه من تتبع أمثلة من الفرقة والخلاف عبر التاريخ والإخفاق في مصالح المسلمين، لوجد لإغفال جانب التخصص دوراً كبيراً في ذلك.

إن أردتم اللحاق بركب الأمم التي سبقتنا عليكم بالتخصص.. فتخصصوا يرحمكم الله!

ويدلل الشيخ الدكتور الشريم على أهمية التخصص بقول الله عز وجل "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" (التوبة 12). فهذه الآيه تدل على أنه لا يمكن أن يكون كل الناس علماء، أو أن يكونوا حكاما، أو أن يكون جميعهم مجاهدين ولا فلاحين أو غير ذلك حسبما جاء في الخطبة.

وفي مقال نشرته صحيفة الرياض السعودية عام 2015 للكاتب الصحفي فاضل العماني، أشار الكاتب إلى تقرير نشرته واحدة من المجلات الأجنبية حول مكامن الخلل والقصور والأسباب التي أدت إلى غياب ثقافة التخصص في عدد من دول أوروبا، ما نتج عنه تراجع كبير لتلك الدول في مؤشرات ومقاييس التقدم والتطور والازدهار!

ويقول الكاتب إن التقرير قد ذكر أن في فرنسا يوجد ٢٦ مجلة علمية متخصصة في مجال الإعلام فقط! وأن هذا لا يتناسب وحجم المنظومة الإعلامية الفرنسية الكبيرة جداً، والتي تحوي المئات من المؤسسات والبيوت الإعلامية الضخمة، سواء الرسمية أو الخاصة.

وحسب الكاتب ذاته فقد احتوى التقرير على إحصائية مثيرة جداً في بلجيكا، إذ لا يوجد سوى سبعة معاهد متخصصة في مجال تعليم وتدريب الغناء الفلكلوري البلجيكي! ويتساءل العماني في مقاله إن كان هذا هو حال الغرب المتقدم فكيف بحال مجتمعاتنا العربية؟!

إن الحديث في هذا الموضوع يطول ويحتاج إلى دراسات وأبحاث علمية للوقوف على حقيقة الأمر والبحث في الأسباب الكامنة وراء غياب ثقافة التخصص في مجتمعاتننا العربية، فإن أردتم اللحاق بركب الأمم التي سبقتنا عليكم بالتخصص.. فتخصصوا يرحمكم الله!