الانفصام في دراسة الإعلام

blogs - ميكروفون
"الصحافة فن الكذب"، كانت هذه الكلمات الأولى التي تلقيتها في أول محاضرة لي من أحد أساتذة الإعلام في الجامعة، لم أستوعب جملته واعتبرتها كلمات عابرة، إلا أنني وحينما كان يسألني أغلب الأشخاص في حياتي لمعرفة تخصصي الجامعي، تكون إجابتي إعلام، ليتبعها سؤال استفزازي بقولهم "يعني كذاب!؟".

أيقنت بعدها أنني سوف أواجه مرحلة صعبة في حياتي الدراسية وصفتها بالسباحة ضد التيار، إلا أن اتخذت الكلية "الإعلام في الأعلام" شعارا لها، حينها أحسست باندفاع نحو هدفي، فتلاها وصف زميلي حينما سألنا أحد أساتذة الإعلام لماذا اخترنا هذه التخصص، فأجاب جوابا أشفى صدري حينما قال إن "الصحفي هو القاضي الذي يحكم في القضية، والمحامي الذي يدافع عن الحق، والطبيب الذي يشخص الأمراض، الجندي الذي يحمي البلاد"، في وقتها رسخت هذه العبارات في عقلي، لتخف شدة التيار أمامي. وبعد قضاء فصلين في الجامعة، انتقلت لجامعة أخرى في التخصص نفسه، إلا أن الكلام عاد من جديد بوصف الإعلام ألغاما والصحافة سخافة، مع الفعل في التطبيق.

أيقنت بأن التغيير يأتي من خلال وجود بيئة نابعة من أساتذة الإعلام لتحليل التجارب والتحديات إلى دراسات جديدة تعلم لطلبة الإعلام، ولن يحققها الجيل القديم مع تقدم التطور التكنولوجي.

فكان التطبيق غريبا نوعا ما، حينما أردنا تنظيم وقفة أمام الكلية للمطالبة بمعدات تصوير للتعلم عليها بدلا من المادة النظرية، إلا أن العدد حينها لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فأتت فكرة من أحد الزملاء بانتظار طلبة المحاضرات الأخرى وقت خروجهم أمام بوابة الكلية وتصويرهم مع طلبة المساق بحملهم بعض العبارات على لوحات، بالإضافة إلى بعض الهتافات ليظهر العدد بكثرة، وتحقق المراد بعد نشر الخبر والصور على وسائل الإعلام، لنتفاجأ باليوم التالي بتوفر كافة المعدات التي طلبت، لتشدد قوة التيار أمامي من جديد بعد هذا السيناريو الذي مثل أمام.

فزاد الطين بلة، حينما كنا نتعلم كيف نتلاعب في الحقيقة كما نشاء، فأتذكر مثال مخرج المباراة الذي ينتمي لفريق معين، فيظهر مشجعي فريق الخصم بالعدد القليل من خلال التركيز على المقاعد الفارغة والقليلة في مدرجات الخصم بالتصوير.

فكنت أتعجب من نظريات المصداقية والحيادية والموضوعية التي ندرسها أمام هذه الأمثلة، لتصبح دراسة الإعلام لدي عبارة عن انفصام. وبعد تخرجي من الجامعة وانخراطي في العمل الإعلامي، رأيت في المجال الذي أعمل به حذف بعض الحقيقة وانتقاء البعض الآخر ليتوافق مع الصورة النهائية التي تريد المؤسسة إظهارها. فغلبتني شدة قوة التيار، الذي ما أتيحت لي سوى الجريان معها كما تهوى أو القذف بي على الشاطئ بعيدا عن ممارسة الصحافة التي أريد.

إلا أن المشوار لم ينتهِ، فأيقنت بأن التغيير يأتي من خلال وجود بيئة نابعة من أساتذة الإعلام لتحليل التجارب والتحديات إلى دراسات جديدة تعلم لطلبة الإعلام، ولن يحققها الجيل القديم مع تقدم التطور التكنولوجي، فالسعي للجيل الجديد الذي درسها وخاض تجاربها وشد الحزام لإكمال الطريق للوصول إلى سلطة الدكتوراه هي الفرص للعودة إلى التجديف من جديد.