شعار قسم مدونات

نجوم الفن وقضايا الشعوب

BLOGS- الفن

في الوقت الذي خسرت فيه الفنانة المخضرمة صباح كثيرا من شعبيتها بسبب طائفيتها وعنصريتها التي ظهرت من تصريحات أطلقتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية ضد المسلمين الفلسطينيين، ظل الجمهور يحترم النجمة فيروز ويعتبرها قامة كبيرة في مجال الفن والإبداع ويكن لها كل تقدير وإعجاب.
 

ففيروز لم تتدخل يوما بالسياسة ولم تنحز لطائفة دون أخرى أو لبلد دون آخر أو حزب أو جماعة، انحازت دائما للشعوب، غنت لمكة وغنت لآلام المسيح، غنت للقدس والشام وعمان والإسكندرية، شاركت جموع الجمهور أفراحهم وأتراحهم، وحين حاول ابنها الوحيد تسجيلها لصالح جهة دون أخرى في سنوات الثورة السورية، لامته وأعلنت غضبها من تصريحاته، منتصرة لمبدئها المناهض للتحزب والدخول في متاهات السياسة والمذهبية والطائفية، وبالتالي محافظة بذلك على حب وتقدير جمهورها العريض، في الوقت الذي ظلت فيه تصريحات صباح وانحيازها وصمة عار على جبينها أفقدتها كثيرا من مخزونها الجماهيري.
 

استهجاني لفعل كاظم الساهر لم يكن أقل، حين ظهر هذا "النجم" على إذاعة الخارجية الأمريكية في بدايات أيام احتلالها لبلاده لينحاز كاظم إلى المحتل الأمريكي وإلى مجموعة الخونة في بلاده.

رغم هذا هناك كثير من النجوم والفنانين لا يأخذون من دروس التاريخ ما ينفعهم ويحمي شعبيتهم وامتهانهم للفن، أذكر هنا سقطة مشابهة للمطرب الجاد علي الحجار، والذي وقف مع القتل وسفك دماء أبناء شعبه فقط لأنهم يخالفوه في التوجه والميول، مسلماً عقله للأكاذيب والشائعات المخابراتيه، ومشاعره للتحيز والانغلاق على مجموعة بعينها حتى ولو كبرت.

وهنا تستغرب كيف لفنان مرهف الإحساس صاحب ذوق رفيع في مجاله أن يبتهج بقتل إنسان، فما بالك بمذبحة في حق الآلاف من أبناء شعبه يتحدثون بنفس لهجته ويشاركونه نفس الآلام ويتطلعون إلى أمل جديد يخرجهم مما هم فيه، مثله تمام، اختلافهم عنه كان فقط في اجتهادهم المختلف للحل وفي طريقة الوصول إلى الهدف.

هذه السقطة الخطيرة لا يمكن نسيانها وستظل وصمة عار أيضا على جبين هذا الفنان الجاد، هادما بذلك تاريخاً طويلاً وعريقاً في عالم الفن والغناء. هناك من يطلق عليه مصطلح فنان وهو في الحقيقة لا يتعدى دوره في أن يكون مهرجاً يسعى وراء لقمة عيشه كالذي ظهر بمشاهد ساخرة من آلام أهالي حلب ومفاجعهم، أو كالذي غنى "تسلم الأيادي" بعد مذابح رابعة والنهضة بحق أناس عزل طالتهم بأطفالهم ونسائهم وشيوخهم، شاكراً ممتناً للمجرم القاتل.
 

مثل هؤلاء لا تملك شعوراً تجاههم سوى الشفقة على حالهم الذي يصف مدى تدني مستواهم الفكري والأخلاقي وقبولهم هم أنفسهم بهذا التدني في سبيل لقمة العيش، أمثال هؤلاء هم خارج موضوع تحليلنا ونقدنا للموقف برمته. من ننتقدهم هنا ونستغرب موقفهم يفترض أنهم على درجة جيدة من الوعي والثقافة ارتضوا أن يهدموا تاريخهم ومشوارهم الفني أو على أقل تقدير أن يشوهوه.
 

الفنان دريد لحام الذي كان محاكياً دائما في أعماله لآلام الشعوب وآمالها في التحرر والانعتاق من قهر الدكتاتوريات والأنظمة العبودية تبين أن موقفه الجوهري منافياً لما كان يقدمه ليؤكد لنا أنه كان فقط مؤدياً بارعاً لكتابات الأديب العريق محمد الماغوط المسرحية والأدبية.. مؤدياً فقط.
 

لم يكتفي هذا "الفنان" بأن يكون في صف جلادي الشعب والمجرمين بحقه، بل سخر نفسه وتاريخه وقامته الفنية حذاء في أرجل رجال مخابرات الجلادين واستدرج إحدى زميلاته في الوسط الفني والتي تقف على الجانب المقابل والمعارض "أي مع آلام الشعب المنكوب"، لتثق هذه الفنانة بتاريخ دريد لحام وتحضر من الخارج إلى وطنها تحت تأثير شوقها العنيد لهذا الوطن فتجد شبيحة المخابرات بانتظارها في ساحة استقبال القادمين. هنا أجد هذا السلوك الدنيء غريباً جدا على "فنان" بحجم دريد لحام تحول إلى حجم بعوضة.
 

انحياز بعض النجوم واتخاذهم مواقف غير أخلاقية في قضايا إنسانية بعينها لا تقتصر على عالمنا العربي، فأمثال برادلي كوبر وبرس ويلس وروبن ويليمز كانوا دائماً في صف الجيش الأمريكي وغزوه للعراق.

استهجاني لفعل كاظم الساهر لم يكن أقل، حين ظهر هذا "النجم" على إذاعة الخارجية الأمريكية التي تذيع عبر الأثير وعبر الإنترنت بالعربي ولعالمنا العربي في بدايات أيام احتلالها لبلاده وإسقاط نظام صدام حسين هناك لينحاز كاظم إلى المحتل الأمريكي وإلى مجموعة الخونة في بلاده الذين سهلوا عملية الاحتلال، ويظهر بصوته على هذه الإذاعة بعبارة ترويجية لها تقول "كلنا سوى مع إذاعة سوى" ضارباً بعرض الحائط بمحبة وتقدير ملايين الشرفاء من أبناء بلده والأمة العربية التي تسمعه، غير مكترث بالتاريخ الذي يسجل عليه كل صغيرة وكبيرة بتجرد ودون رحمة.
 

الطائفية التي حسبها البعض على كاظم من هذا الانحياز -وليس بالضرورة أن أحسبها أنا كذلك- حسبت في ملفه كجنحة أمام جريمة الخيانة لبلاده ولشعبه وأمته. قد يقول البعض بأن تصنيفاً كهذا يعتبر منحازاً وحتى طائفياً وذلك بعدم ذكر فنان عراقي آخر اتخذ أيضاً موقفاً سياسياً وفي نفس الفترة التاريخية، وأعني هنا الفنان نصير شما، فأقول أن كون الفنان ينحاز إلى الشعوب وإلى الأمة لا يسجل هذا عليه حتى ولو اتخذ موقفاً سياساً يؤكد هذا الانحياز، بل على العكس فهذا هو المطلوب والمنتظر منه، وهذا ما فعله الفنان نصير شما بالضبط.
 

هذه الظاهرة في انحياز بعض النجوم واتخاذهم مواقف غير أخلاقية في قضايا إنسانية بعينها لا تقتصر على عالمنا العربي، فأمثال برادلي كوبر وبرس ويلس وروبن ويليمز كانوا دائماً في صف الجيش الأمريكي وغزوه للعراق وفي مناصرة الجيش الإسرائيلي، في الوقت الذي وقف فيه نجوم آخرون من هوليوود أمثال أنجيلينا جولي وروبرت دينيرو وفال كيلمر مواقف نبيلة مشرفة، منتصرين بذلك لإنسانيتهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.