وما الحب إلا للحبيب الأول

Muslim worshippers visit the tomb of Prophet Mohammad (L) at Al-Masjid al-Nabawi (The Mosque of the Prophet), in the holy city of Medina, Saudi Arabia January 20, 2016. Picture taken January 20, 2016. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh

مسكتُ القلم طويلا وترددت كثيرا وأنا أبحث عن كلمات تنعتك.. وَصَفُوك لي مرارا وتحدثت عنك تكرارا وكلما رويت عنك أحسست التقصير في ثناء خِلقِك الجميل وخُلُقِك الرفيع.  في غيابك حضور قوي وحب جلي صغته بدمي لجمالٍ لا يوصفُ.. أذكرك فأحزن وأشتاق، وأتبسم ملء شدقي وأنا أستعيد ذكراك.  عن الرجولة تحدَّثَتْ أفعالك وعن لينك عشقتُ أوصافك وعن حِلمك هِمِتُ في أخلاقك.
 

أخبروني أنك وسيم قسيم، فقلت أيّ حسنٍ فيه يوصف؟  قالوا: أسود العين، صحل الصوت، ظاهر الوضاءة، شديد سواد الشعر، ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب.  قلتُ: كيف لي أن ألُمَّ كل حسن الملامح في صورةٍ؟ قالوا: أضيفي أنه حلو المنطق، باسم الثغر، علاه الوقار في صمته وعلاه البهاء في كلِمِهِ.  حتى زاد شغفي وفضولي لنَحْث صورتك في ذاكرتي ووجدتني بعدها أصنع كل صوَر الكمال ولا واحدة منها تقرب حسنك الفتّان، واكتفيت في آنِها بقبسات من أخلاقك أتجرعها بين الحين والحين وأنا أمضي وسط زحام عالم تعمه الفوضى.. عالمٌ يسوده الدمار النفسي والعاطفي والديني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.  وقبل أن أسترسل الكلام، اسمح لي أولا أن أناديك حبيبي واسمح لي ثانيا أن أشكوك الظلم الذي يعلو على كل ضعيفِ! 
 

أكتب لك بعدما تحطمت صفات الرجولة والشهامة في زمن يظن فيه الكثير أن الشدة والغلظة هي جوهرها وأساسها.. في زمن يعلى القوي الضعيف والغني الفقير. في زمن صار الحرام حلالا والممنوع مرغوب مباح.

حبيبي محمد، سلام الله عليك وبعد،
أكتب لك اليوم بعدما توالت النكبات واشتدت الأزمات على أرض كانت طاهرة وحضارة ولت عظيمة.. أكتب لك اليوم لأروي عن أسىً طال العرب واندثرت عنده العروبة وسقطت فيه العراق واليمن وبلاد الشام وفلسطين الحبيبة. أشكوك اليوم عرق العرب المستعربة التي تتطاول دماؤها على يد من زعموا الإسلام وهم يخربوه ومن حملوا راية الجهاد باسمك وقتلوا الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. 

أكتب لك بعدما تحطمت صفات الرجولة والشهامة في زمن يظن فيه الكثير أن الشدة والغلظة هي جوهرها وأساسها.. في زمن يعلى القوي الضعيف والغني الفقير.  في زمن صار الحرام حلالا والممنوع مرغوب مباح.  أشكوك زمنا يطبعه خبث المخلوق وتتجرد فيه المسؤولية بغرض المصلحة. عن زمن يُغَنَّى فيه عن الحب والعشق والهيام وقد غابت مقاصده وتكسرت معانيه. 
حبيبي محمد، كيف لي أن أصل مقامك وألقاك وأنا الغارقة في ذنوبي والمقصرة في حق عبادتي؟

كيف لي أن أنال شفاعتك وأنا التي إذا ذكرتك بلسان مذنب منكسر، عدتُ تائبة عودة النادم الخجلان، وإذا ذكرتك بقلب خاشع، اشتعلت نيران الشوق في اضطراب، وإن ذكرتك في سري استحضرت صدقك والإحسان حتى لان قلبي واستكان. 
في كل مرة أبحث عنك أنحني إجلالا لرفيع جانبك الإنساني وأتمنى لو كنت أعيش في زمانك حيث كنتَ خير من يمشي على قدمِ يا صاحب الإحسان والكرمِ. 

من سيرتك تعلمت أن أحبك قبل نفسي ومن يقربني فوجدتني أتعلم أبجديات العشق من هيامك.. وجدتك الأصل في كل نبض ليتفرع منه كل جميلٍ طيب.  في الحب، استلهمتُ من الحب الخديجي وغَبِطته واستوقَفْتَني كثيرا عند زوجاتك اللائي كنتَ تتزين لهن وتمازحهن وتلاطفهن وتصبر على إيذائهن. 

حبيبي محمد، في هذا الزمان صار من الرجال من يدعي الشهامة وهو يتطاول على زوجته بالسب والشتم والضرب عند البعض والتنقيص لأنها أَمَةُ وهو لا يفقه أن الحبيب ما امتدت يده يوما على امرأة.. في زماننا هذا يسلط الرجل قوته بداعي الرجولة وينسى أنك استوصيته بالنساء خيرا.. لا يعلم أنك كنت تكنس البيت والابتسامة لا تفارقك والكثير اليوم يظنها خدش في الرجولة. 

كما توقفت كثيرا عند حديث أنس رضي الله عنه حين قال: " … ثم خرجنا إلى المدينة – راجعين من خيبر – فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوِّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبتيه وتضع صفيةُ رجلها على ركبتيه حتى تركب … " تذوقتُ حلاوة الموقف وما يحويه من رحمة ومودة وحب ودلال واستحضرتُ كيف لا يجرؤ الكثير من الرجال على فتح باب السيارة لنسائهن وتدليلهن من هذا القبيل كما جاء في سيرة رسولنا الكريم. 
 

كثيرة هي أخلاقك أيها الحبيب المصطفى، عظيمة هي سيرتك التي أتلهف البحث فيها وعنها وتزيد من حرقة الشوق للقياك ونيل شفاعتك ورضاك.

في الشفقة، كنت تطعم اليتيم وتكفله ولا تعاتب الخادم بل ترحمه عكس زماننا الذي صار فيه الخادم عبدا لسيده يُتعبه ويجافيه ويقاسيه وهو غافل عن شهادة خادمك أنس رضي الله عنه فيك بعد عشر سنوات من خدمته لك يقول: "ما قال لي يوما في أمر فعلته، لِم فعلتَه؟ أو أمر لم أفعله لما لم تفعله؟" وتؤكد بذاك صدق الآية فيك " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

في الحكمة، أنت فصيح اللسان وبليغ القول، سلس الطبع وقليل التكلف، الصابر على مكر الأعداء، سيد أنت طابت مناقبه وفيه جُمع كمال النفس ومكارم الأخلاق.  ولدت وعشتَ يتيما ولم ترمي حزنك على أحد.. خُضت المعارك وانتصرتَ للإسلام والمسلمين، كرهك الكفار وكذبوك وعارضوك ولشديد رحمتك استغفرت لهم ولمن أساء إليك.

كثيرة هي أخلاقك أيها الحبيب المصطفى، عظيمة هي سيرتك التي أتلهف البحث فيها وعنها وتزيد من حرقة الشوق للقياك ونيل شفاعتك ورضاك.  من خلقك أتعلم الكثير وأنا أمضي في سبيلي دون حقد أو حسد، دون ضغينة أو مكر، دون كذب أو غش أو نفاق. منك أتعلم التوكل على الله والصبر عند الشدائد والمضي بكل حزم وعزم. منك أتعلم السلم والسلام وسماحة الإسلام ومنك ومن حبك أصوغ عشقا طاهرا نقيا. 

وإن كنت أجهل الكثير عنك فالعلي القدير قد جعلني أستنبط المخفي الجميل من آية ظلت تراود مسامعي منذ طفولتي والتي أختم بها حديثي اللامنتهي عن الرحيم، الخلوق، المحسن، الكريم، المتواضع، الصادق، الأمين : "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم من بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)" آل عمران. والصلاة والسلام على أطيب الخلق، خاتم الأنبياء والمرسلين.